الرأي
فرحات مهني والسؤال القبائلي:

تشريح انحراف انفصالي… وصناعة وهمٍ بلا أرض!

لعلى بشطولة
  • 1174
  • 0

لم تعرف الجزائر في تاريخها السياسي الحديث حالة أكثر غرابة وتعقيدًا من المسار الذي انتهى إليه فرحات مهني. فالرجل الذي خرج من رحم الأغنية الأمازيغية وأضفى على بداياته الفنية شيئًا من صدق الهوية ووهج الذاكرة، تحوّل بمرور السنوات، وبتأثير المنفى ودوائر الضغط الخارجية، إلى واجهة لمشروع سياسي لا يشبه القبائل ولا يعكس مطالبها ولا يعبر عن عمقها التاريخي.

ومع أن خطاب الرجل يتخذ في الخارج طابعًا احتفاليًا يُقدَّم على أنه “حق تقرير المصير”، فإن الحقيقة على الأرض أبسط وأعمق: لا وجود لحاضنة اجتماعية، ولا قرية واحدة انخرطت في مشاريعه، ولا أعرش صادقت على بياناته، ولا ذاكرة جماعية رأت في الانفصال حلًا أو أفقًا أو ضرورة. ما يحدث ليس تعبيرًا عن أزمة داخلية، بل عن محاولة تدويل قضية مزيفة بعنوان “هوية” وتحويلها إلى ورقة ضغط جيوسياسي في لحظة تتعزز فيها سيادة الجزائر إقليميًا ودوليًا.
منطقة القبائل، التي طالما شكلت رئة الجزائر الثقافية ومستودعًا لمقاومتها، لم يكن لها يومًا مشروع انفصال. تاريخها يقول خلاف ذلك: من عبان رمضان، إلى كريم بلقاسم، إلى عميروش، إلى آيت أحمد، برزت المنطقة كقلب نابض في الحركة الوطنية، لا كجسد يبحث عن القطيعة. حتى في لحظات التعبير الحاد عن الهوية، بقي السقف وطنيًا واللغة مطلبًا والديمقراطية أفقًا، بينما بقيت فكرة التقسيم خارج المخيال الجمعي تمامًا. وفي الثمانينيات، حين نهضت الأغنية الأمازيغية بلسان إيدير وآيت منقلات ومعطوب الوناس، كان الجميع يطالب باعتراف لغوي وثقافي داخل البيت الجزائري لا خارجه، وكان النضال أقرب إلى الدفاع عن ذاكرة محاصرة داخل دولة تبحث عن هويتها بعد الاستقلال.

في هذا السياق ظهر فرحات مهني فنانًا شابًا، حمل الهمّ الثقافي مثل غيره، وساهم في التعبير عن مرحلة انتقالية بين الصرامة الأيديولوجية للدولة ومطالب المجتمع. لكنّ مراقبين كثيرين لاحظوا آنذاك علامات مبكرة على نزعة فردية في ممارسته للخطاب، مقابل روح جماعية أوسع، وهو ما سيظهر لاحقًا

بوضوح عندما تحوّل الرجل إلى زعيم “حركة” لا يشاركها أحد على الأرض.
مرحلة التسعينيات كانت حاسمة. إضراب الكرسي (1994–1995)، كشف لأول مرة عن فجوة بين خطاب القيادة وواقع العائلات. كان الناس يضحّون من أجل مطلب لغوي، بينما اختار بعض القادة إرسال أبنائهم إلى مدارس فرنسا، وهو ما خلق شعورًا بالمرارة وأضعف ثقة المواطنين.
ثم جاءت أحداث الربيع الأسود سنة 2001، بسقوط 126 مواطن وآلاف الجرحى، لتزيد الجرح عمقًا. لكنّ القبائل لم تنادِ بالانفصال. طالبت بالعدالة، بالتحقيق، بالاعتراف، بإصلاح العلاقة بين الدولة والمجتمع. مطالب سياسية نعم، ولكن داخل البيت الوطني، لا خارجه. وحده فرحات مهني قرأ اللحظة قراءة مختلفة، فأسس حركة MAK تحت لافتة “حق تقرير المصير”، وبدأت ملامح الانفصال تتشكل لكنها بقيت حبرًا في بيانات لا أثر لها في الأرض.
التحوّل الجذري وقع في المنفى. حين غادر الرجل إلى فرنسا عام 2008، انقطعت صلته عمليًا بالمجتمع الذي يدّعي تمثيله. من هناك، بدأت بيانات “الحكومة” و“السلطة الانتقالية” و“الإعلان الأحادي للاستقلال”. إعلانات تُتلى من لندن ونيويورك وباريس، بينما القرى صامتة، والأعراش غير معنية، والشارع منشغل بأزماته الاجتماعية والاقتصادية. كل ما يحدث في الداخل يعاكس سرديته تمامًا: الأطفال يتعلمون اللغة الأمازيغية في المدارس، الجامعة تستقبل باحثين في اللسانيات الأمازيغية، الإعلام يفتح مساحاته، والدستور يقرّ اللغة رسميًا. الإصلاح كان يتحقق، لا الانفصال.
ورغم غياب أي حاضنة شعبية، ازداد حضور مهني في الخارج، في منصات معروفة بتوظيفها لقضايا الأقليات في العالم العربي. اللافت أن كل إعلان أو “خطوة سياسية” تصدر عنه كانت تتزامن مع توترات بين الجزائر وبعض العواصم. حين رفضت الجزائر الضغوط الأوروبية بخصوص الغاز والسيادة، ظهر ملف “استقلال القبائل”. حين دعمت الجزائر القضية الفلسطينية بقوة، ظهر الملف نفسه. وحين تمسكت الجزائر بموقفها من الصحراء الغربية، خرجت تصريحات مغربية رسمية تتحدث عن “حق تقرير مصير القبائل”. التزامن هنا لم يكن صدفة، بل مؤشرًا على توظيف سياسي واضح، حيث تتحول منطقة تاريخية كاملة إلى مادة في صراع إقليمي ودولي.
الداعمون الخارجيون لحركة مهني ليسوا سرًا: مراكز بحث نيو-محافظة معادية لسياسات الجزائر السيادية، جماعات ضغط تسعى لتطويق الدور الدبلوماسي الجزائري في أفريقيا، تيارات يمينية متطرفة في أوروبا ترى في أي تنوع ثقافي فرصة لتفتيت الدول، وأصوات مرتبطة بالمصالح الإسرائيلية تبحث عن نقاط ضغط على الدول التي ترفض التطبيع. وفي هذا المشهد، يظهر مهني بصفته واجهة خطابية توفر لهذه الأطراف ما تريده: “قضية جاهزة”، حتى لو لم تؤمن بها الأرض التي يُفترض أنها موضوعها.
لكنّ القبائل الحقيقية بقيت خارج هذه اللعبة. وعيها التاريخي أعلى من أن يُختطف، وذاكرتها الوطنية أعمق من أن تُباع، ومطالبتها بالعدالة لا تعني أبدًا الانسلاخ عن الوطن. المنطقة تشترك مع باقي الجزائر في الإيمان بأن الحلول تأتي عبر إصلاح الدولة، لا عبر تقسيمها. ووعيها بالثمن الفادح للحروب الأهلية جعلها تقرأ تجارب المنطقة بدقة: التقسيم لا ينجب دولة، بل ينجب فوضى ودمارًا وخصومات لا تنتهي.
إنّ مشروع الانفصال الذي يسعى مهني لفرضه لن ينجح لسبب بسيط: لأنه لا يجد له مكانًا في وجدان القبائل نفسها. فمنطقة قاومت الاستعمار، ودفعت من أبنائها آلاف الشهداء، وأسهمت في كل معركة وطنية، لا يمكن أن تتحول بين ليلة وضحاها إلى كيان يتنكر لتاريخه. الجزائريون في القبائل وفي باقي البلاد يعرفون جيدًا أن وحدتهم هي درعهم الأول والأخير.
يُروى عن مجاهد من جرجرة قوله: “الجزائر لا تسقط إلا إذا انقسمت، وإلى اليوم لم ينجح أحد”. ولن ينجح أحد. لأن الشعوب لا تنفصل عن تاريخها، ولا تقطع الحبل الذي يربط حاضرها بماضيها. والقبائل، بهويتها وذاكرتها وعمقها الوطني، ستبقى جزءًا لا يتجزأ من الجزائر، مهما ارتفعت أصوات المنفى، ومهما تعددت المنصات التي تبحث عن تفتيت هذا الوطن الكبير.

مقالات ذات صلة