-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
والده يروي لـ"الشروق" ساعاته الأخيرة

تشييع الطالب النابغة “تقي الدين” من مسجده

ط. مامن
  • 5453
  • 0
تشييع الطالب النابغة “تقي الدين” من مسجده

ووري الثرى الثلاثاء، جثمان الطالب المتفوق المتوفى، تقي الدين برتال، ابن بلدة رأس العيون، بولاية باتنة، بمقبرة المنطقة، في جو مهيب، حضره أهل الفقيد ورفاقه السابقون في الثانوية، وسكان باتنة، إلى جانب مشيعين قدموا من مختلف ولايات الوطن، بحضور منتخبين محليين، وممثلين عن قطاع التعليم العالي، والخدمات الجامعية، في وقفة تضامنية مع عائلة الفقيد، شارك فيها الجميع مع عائلة تقي الدين، لاسيما في مسجد الرابطة برأس العيون..

المسجد الذي كان يشرف فيه تقي الدين على أداء صلاة التراويح في كل شهر صيام، بعد فاجعة وفاته داخل حرم الإقامة الجامعية، في المعالمة، بالجزائر العاصمة، التي التحق بها ليوم واحد فقط أو ساعات قليلة، كطالب بالمدرسة العليا للذكاء الاصطناعي، بعد حصده المرتبة الثانية ولائيا بباتنة، في بكالوريا 2024، والسابعة وطنيا، ليسبقه الأجل مساء نفس اليوم، بسبب عارض صحي مفاجئ، لا تزال اسبابه محل تحقيق.

والد تقي الدين، السيد حسام برتال، الذي حبس دموعه، وتحلى بالصبر، على فلذة كبده الذي شرّفه علما وخلقا، روى لنا ساعات تقي الدين الأخيرة: “أوصلت ابني يسيارتي، بعد مشقة طريق، مزينة بترتيله القرآن الذي يحفظه عن ظهر قلب، إلى الإقامة الجامعية، وشعرت بالطمأنينة للظروف التي سيعيش فيها في رحلته العلمية مع الذكاء الاصطناعي، وعدت مبتهجا إلى البيت العائلي بولاية باتنة”.

ويعود ليروي رحلة التحاق الفقيد تقي الدين بالإقامة: “يوم السبت الفارط، في حدود الساعة التاسعة صباحا، غادرت أنا وتقي الدين، مقر السكن، بعد أن حمل كل أغراضه الخاصة، فودع والدته، كالعادة بالأدعية والقبلات والوعود، وسرنا باتجاه الإقامة الجامعية سيدي عبد الله بالمعالمة 3، بالجزائر العاصمة، فبعد رحلة لحوالي خمس ساعات، سفر، من رأس العيون بولاية باتنة إلى الجزائر العاصمة، تبادلنا فيها أطراف الحديث، من اجتماعية، ودينية، ودولية، ومشاريعه المستقبلية، وصلنا باب الإقامة في حدود الساعة الثانية والنصف بعد الزوال من نفس اليوم السبت، حقيقة كان الاستقبال رائعا، من قبل القائمين على الإقامة، وشعرت بالسعادة تغمرني، أين وضع تقي الدين كل أغراضه بغرفته، على أن يلتحق يوم الأحد بمقاعد الدراسة، بالمدرسة الوطنية للذكاء الاصطناعي، التي وجّه إليها بطلب واختيار منه، بعد حصوله على ثاني أكبر معدل في البكالوريا على مستوى ولاية باتنة، والسابع على مستوى الجزائر”.

تعود الدموع لتغلب السيد حسام وهو يبلغ آخر دقائق لقائه بابنه: “بعد قسط من الراحة وتجاذب الحديث، ودعني تقي الدين، وطلب مني أن أسوق بتأن حتى أصل للبيت مرتاحا وسالما، وهو ما كان فعلا. كما اتصلت به والدته ليلا، للاطمئنان عليه، فطلب منها أن تنتظره حتى ينتهي من وجبة العشاء، وكلمها فعلا بعد ذلك عن كل صغيرة في حياته الجديدة، ووعدها بالنجاح كما عهدته دائما، وذهب الجميع للنوم”.

مع إشراقة يوم الأحد التحق تقي الدين بدراسته ورسم ساعات الدراسة الاولى لأفراد عائلته الذين عاشوا فرحته، وتمنوا دوامها: “لقد كان تقي الدين في منتهى السعادة، وما تلقاه في أول يوم من علوم، استجاب لرغباته وشغفه العلمي، كانت الراحة النفسية تخيم على العائلة بكل أفرادها، إلى غاية أذان فجر الاثنين”.

“اتصل بي لأمر ضروري!”

يقول السيد حسام والد المرحوم تقي الدين: “قمت لأداء الصلاة أنا وزوجتي وبناتي، كالعادة، فإذا برسالة من زميلي المستخلف بمسجد الحي، الذي أشتغل به، تصل هاتفي وهاتف زوجتي، كان نصها يطلب مني الاتصال به لأمر ضروري”، يقول الوالد: “لم أعط الأمر أهمية، رغم الاتصال المتكررة للزميل، ثم لاحظت بأن أخي وهو إمام في ولاية قالمة أيضا اتصل بي، ثم اتصل بزوجتي وطلب منها تمرير الهاتف النقال إلي، وقال لي سأخبرك بخبر صعب لا يمكن تحمّله، وعليك أن تتحلى بالصبر، فقلت له: إن شاء الله خير، توكل على الله، فقال بالحرف  الواحد، ابنك تقي الدين رحمة الله عليه، حقيقة لم استوعب الأمر، بل لم أصدقه، وكنت متيقنا بأن خللا ما قد حدث، والخبر غير صادق، لكن في الساعة السابعة و12 دقيقة، رن هاتفي برقم لا صلة لي به، ليتضح بأنه صوت نسائي، والمتصلة هي مديرة الإقامة الجامعية”.

يتوقف السيد حسام لحظة ليردد كلمة الحمد لله التي لم تغادر شفتيه، ثم يقول: “المتصلة قالت لي مباشرة، عظم الله أجرك في ابنك تقي الدين، ولكم أن تتصوروا والد يسمع صباحا هذا الكلام عن أعز إنسان لديه؟”.

أغرقت هذه الجملة السيد حسام في أحاسيس غريبة، وراح يردد لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، بينما أكملت المديرة حديثها: “إنها صدمة بالنسبة لنا، ما تعرض له تقي الدين مساء الأحد، وتم نقله من الإقامة، في سيارة الإسعاف، ولكن للأسف لفظ أنفاسه ألأخيرة داخل سيارة الإسعاف، لحظات قليلة فقط بعد انطلاقها، نحو الاستعجالات الطبية”، ويتوقف السيد حسام مرة أخرى، ويسترسل في شريط كلام طويل بحمد الله والاستغفار، ولكن هذه المرة غلبته الدموع ولم يتمكن من إخفائها، فصمت، ثم دخل في تيهان هو بالتأكيد مرور لشريط ذكريات ابن كان قدوة في كل شيء فسافر طلبا للعلم ولم يعد.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!