تصاعد الجدل في فرنسا حول خطاب الكراهية قبل الانتخابات الرئاسية
أعلن عمدة مدينة ستان الفرنسية، عز الدين طيبي، عزمه رفع دعوى قضائية ضد قناة “سي نيوز” اليمينية المتطرفة، بعد بثها تصريحات وصفها بـ”العنصرية والمعادية للمسلمين”، استهدفت المدينة وسكانها، كما هاجمت وجود منتخبات محجبات في المجلس البلدي.
ووصفت القناة المدينة الواقعة في مقاطعة سين-سان-دني، شمال باريس، بأنها وبتشجيع من العمدة اليساري، أصبحت “تعج بالمساجد المتطرفة” و”تهريب المخدرات” و”الإسلاموية”.
“هذه الهجمات لا تستهدف الأفراد فحسب، بل تشمل مدينة نابضة بالحياة ومتنوعة ومتفاعلة، فضلاً عن قيم الاحترام والتكاتف المجتمعي التي نتمسك بها يومياً”، تقول شادية حمرا، نائبة العمدة المكلفة بالوصول إلى العدالة، ومكافحة التمييز، والمساواة في تصريح لـ”الشروق“.
وكتب عمدة مدينة ستان عز الدين طيبي يوم الأربعاء 20 ماي في بيان “لن تسمح مدينة ستان أبداً بأن يصبح خطاب الكراهية والرسوم الكاريكاتورية العنصرية والهجمات السياسية القائمة على الخوف والانقسام أمراً شائعاً.”
وقالت نائبة العمدة أنها شعرت “بالاستياء والحزن العميقين” بسبب تصريحات الصحفي على قناة الملياردير فنسنت بولوري التي هاجمت وجود منتخبات محجبات داخل المجلس البلدي لمدينة ستان.
واعتبرت المنتخبة أن الخطاب الإعلامي للقناة يسيء إلى صورة المدينة ويغذي الأحكام المسبقة تجاه الأحياء الشعبية.
لتضيف “بصفتي مسؤولة منتخبة من أصول جزائرية ومقيمة في ستان، أعتبر وصم النساء المنخرطات في الحياة الديمقراطية لمجرد مظهرهن أو دينهن أمراً بالغ الخطورة. تضمن الجمهورية للجميع حرية الضمير والحق في المشاركة الكاملة في الحياة العامة.”
وأشارت المنتخبة أن مثل هذه التصريحات “تُؤجّج الانقسامات وتُشوّه صورة أحيائنا وسكانها”، مؤكدة ان مدينتها تستحق “أفضل من هذه التعميمات واتهامات سوء النية. مدينتنا غنية بسكانها، وجمعياتها، ومشاركتها المدنية، وشبابها.”
وفي سياق متصل، كان الصحفي والكاتب، فارس لونيس، قد وصف، في مقابلة سابقة مع “الشروق”، الطريقة التي تتناول بها عديد وسائل الإعلام الفرنسية المهيمنة المواضيع المتعلقة بالجزائر والمهاجرين والاسلام بأنها “اجترار لا متناه لثقافات الكولونيالية والعنصرية التي لا تزال حاضرة بشكل كبير داخل نخب الوسط واليمين واليمين المتطرف”.
إقرأ أيضا – وسائل الإعلام الفرنسية: في خدمة ماذا ومن؟
وقررت مدينة ستان رفع دعوى قضائية ضد القناة وذلك “للدفاع عن شرفها وشرف مسؤوليها المنتخبين وشرف سكانها”، تقول لنا المنتخبة التي تؤكد أن “هذه الخطوة بالغة الأهمية لأننا لا نستطيع السماح لمثل هذه التصريحات، التي تمس بكرامة الأفراد وصورة مجتمعنا، بأن تصبح أمراً شائعاً.”
وليست هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها استهداف منتخبين محليين بتصريحات عنصرية في الإعلام المهيمن في فرنسا، ففتح المدعي العام في باريس، يوم الخميس 2 أفريل، تحقيقا بتهمة “الإهانة العلنية” ذات الطابع العنصري، وذلك بعد تصريحات استهدفت رئيس بلدية سان دوني، بالي باغايوكو، المنتمي لحزب فرنسا الأبية، والتي تم الادلاء بها في نهاية شهر مارس على نفس القناة.
ومنذ انتخابه منذ الدور الأول كأول عمدة من أصل أفريقي يحكم مدينة يتجاوز عدد سكانها 100 ألف نسمة، لم تتوقف التصريحات العنصرية التي تستهدف باغايوكو بسبب أصوله ولون بشرته.
وعن تأثير مثل تصريحات القناة على المدينة وعلى المجتمع الفرنسي بصفة عامة، قالت لنا شادية حمرا أنه يمكن لمثل هذه التصريحات الإعلامية أن تتسبب في “عواقب وخيمة” سواء على مدن مثل ستان حيث يعيش أزيد من 41 ألف نسمة، أو على المجتمع الفرنسي ككل، فحسبها “عندما تُقدّم قناة وطنية مجتمعات الطبقة العاملة من خلال الجدل والتشويه وتقديم صورة مشوهة للواقع، فإنها تُرسّخ الأحكام المسبقة وتُساهم في وصم آلاف السكان الذين لا علاقة لهم بهذه الروايات.”
المنتخبة شادية حمرا (الثالثة من يمين الصورة) في مسيرة للمطالبة بخطة طوارئ للمدارس في مقاطعة سين سان دوني التي تضم مدينة ستان، احتجاجا على إغلاق المدارس، وتسريح العمال، ونقص الموارد اللازمة لبدء العام الدراسي، 21 ماي 2026. صورة: شخصية.
واعتبرت المنتخبة أنه “بالنسبة للمدن المعنية، يُلحق هذا ضرراً بصورتها، ويُضعف شعور السكان بالانتماء، وقد يُفاقم مشاعر الظلم أو الإقصاء، لا سيما بين الشباب. وبسبب التمييز المستمر، ينتهي الأمر ببعض المواطنين إلى الشعور بأنهم لا يُعتبرون فرنسيين بالكامل، على الرغم من التزامهم بالجمهورية.”
ولا يمكن فهم التركيبة الاجتماعية لمدة مثل ستان بمعزل عن تاريخ الضواحي الفرنسية، إذ شهدت هذه المناطق منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية استقرار أعداد من المهاجرين الذين استقدموا للمساهمة في إعادة الاعمار والتنمية الصناعية.
وقد شكل هؤلاء اليد العاملة الضرورية لتشغيل المصانع والورشات، كما تم تشييد مجمعات سكنية كبيرة منخفضة التكلفة لفائدة الأسر محدودة الدخل،وهي فئة كان الوافدون الجدد ينتمون إليها في كثير من الأحيان، ما يفسر ارتفاع عدد المهاجرين وأبناءهم في هذه المدن،ووصول أبناء هذه الهجرات لاحقا إلى المجالس البلدية والمناصب المحلية.
أما على صعيد المجتمع الفرنسي “تُغذي هذه التغطية الإعلامية الانقسامات والتوترات الهوياتية، وتُؤجّج الصراع بين الفرنسيين بدلاً من تعزيز الحوار والتماسك”، تقول لنا حمرا التي تضيف أن مسؤولية الإعلام ينبغي أن تكون “تقديم المعلومات بدقة وموضوعية، لا تغذية المخاوف أو الانقسامات.”
وتؤكد حمرا في ختام حديثها إلينا أنه “يجب أن لا تتحول الضواحي الفرنسية إلى مادة دائمة للوصم الإعلامي” معتبرة أن الدفاع عن المساواة والاحترام بين المواطنين جزء من حماية قيم الجمهورية.