الجزائر
محتالون يلجؤون إلى حيل جديدة.. ومختصون يشددون على ضرورة الحذر والتبليغ

تصاعد النصب الإلكتروني رغم التحذيرات الأمنية

نادية سليماني
  • 347
  • 0
ح.م
تعبيرية

سالمي: النصاب الإلكتروني يستغل الثقة أو الطمع أو الاستعجال لدى الضحية
بهلولي: الصمت يشجع المحتالين على مواصلة نشاطهم.. ولابد من التبليغ

تشهد جرائم النصب الإلكتروني تصاعدا ملحوظا في الآونة الأخيرة، لدرجة أن المحتالين باتوا يستولون على مبالغ مالية معتبرة من ضحاياهم ويختفون. وهو ما حول المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي إلى فضاء خصب لنشاط المحتالين الذين باتوا يطورون أساليبهم باستمرار للإيقاع بالضحايا.. فبين عروض بيع مغرية وصفقات تبدو موثوقة، يقع مواطنون كثر في فخ الاحتيال، خاصة في ظل غياب الوعي الكافي بمخاطر المعاملات المالية مع أشخاص يقبعون خلف شاشات الهواتف.
تستقبل مصالح شرطة الجرائم الإلكترونية عبر مختلف ولايات الوطن ويوميا، عشرات شكاوي النصب لضحايا سلموا أموالهم طواعية لمحتالين، تعاملوا معه عبر منصات التواصل الاجتماعي. ورغم أن مصالح الأمن تلقي ودوريا القبض على هذه العصابات الإجرامية وتعرض صور المتورطين للجمهور، لغرض نشر الحيطة والتحذير من الوقوع ضحية هكذا عصابات، ومع ذلك لا يزال الضحايا “يتساقطون” ويوميا في فخ هذا النوع من الإجرام.

ادعّى امتلاكه مصنع عجلات وسلب 10 ملايين سنتيم
ومن بين القضايا التي قدم فيها ضحية من الجزائر العاصمة، شكوى مؤخرا للمصالح الأمنية، يفيد فيها بتعرفه على تاجر عجلات جديدة للمركبات من إحدى الولايات الشرقية، والذي يروج لبضاعته بأسعار تنافسية. هذا ما جعل الضحية يتحمس للشراء، خصوصا عندما اتصل بالبائع الوهمي وأخبره بأنه صاحب شركة و”حاج” لبيت الله الحرام.
ولأن الضحية لا يمكنه التنقل إلى غاية الولاية الحدودية التي يتواجد فيها البائع، طلب منه توصيل العجلات مع أي شخص ويرسل له سعرها عبر حساب بريدي، وهو ما حصل بعدما سبق صاحب الشكوى مبلغ 10 ملايين سنتيم للبائع الوهمي، منتظرا وصول عجلاته ليلا.
والصدمة، أن النصاب أغلق هاتفه مباشرة بعد سحبه المال، والضحية اضطر للتنقل إلى الولاية التي ادعى فيها النصاب وجود شركته، ليكتشف أنه عنوان خاطئ ولا وجود لأي شركة تبيع العجلات.
والخطير، أن الرقم الهاتفي المستعمل في النصب، فتح لاحقا ورد منه شخص آخر، مدعيا للضحية أن الشركة موجودة فعلا، ولكن تم تغيير مقرها إلى ولاية أخرى.. وهنا، تأكد صاحب الشكوى من أنه وقع ضحية لعصابة نصب إلكتروني، وبلغ المصالح الأمنية.

اختراق مجموعات المهن والحرف
وكما بات النصابون الإلكترونيون، يتصيدون ضحاياهم انطلاقا من مجموعات “فيسبوكية” للمهن والحرف، ومنها قصة مواطنة من الجزائر العاصمة، روتها بنفسها لـ”الشروق”، وقالت إنها دخلت مجموعة لمصنعي الأحذية المحلية، بحثا عن ورشة لصناعة أحذية، لأنها كانت تنوي فتح محل.
ووجدت كثيرا من التعليقات يدعي أصحابها أنهم أصحاب ورشات. فاتصلت بأحدهم عبر تطبيق “مسنجر”، الذي نشر تعليقا بأنه يملك ورشة لصناعة أحذية الأطفال مقرها في ولاية عين تيموشنت.
والأخير أرسل لها صور أحذية تبدو غاية في الجمال والإتقان، مدعيا صناعتها في ورشته وحتى بعث لها شعار مصنعه المستقبلي..! ووعدها بأنه سيتعاون معها وبأسعار تنافسية.
الشك تسرب للمرأة بعدما دخلت إلى حساب هذا الشخص في “الفايس بوك” لتكتشف صفحة فارغة، لا وجود فيها لأي شيء يدل على امتلاكه ورشة أحذية، بل كان يعرف بنفسه بـ”صباغ متنقل”..!
المرأة كانت ذكية، بحيث وضعت صور الأحذية التي أرسلها لها النصاب في تطبيقgoogle image للتأكد من مصدرها، فاكتشفت أن الصور مسروقة من منصة البيع العالمية “tamu” ومن صفحات “فيسبوكية” لبائعين من أمريكا الجنوبية. وهنا، قامت مباشرة بحظر النصاب قبل تعاملها معه ماليا.

يستغلون الحرفيين الباحثين عن فرص توسيع نشاطهم
وبحسب شهادات ضحايا، يقوم المحتال بالتواصل بشكل لبق معه، ويقدم مبررات مقنعة لطلب تحويل مالي مسبق، مثل ضغط الطلب أو نفاد الكمية. وما إن يتلقى المبلغ حتى يختفي، يغلق هاتفه ويقطع كل وسائل الاتصال، تاركا الضحية أمام خسارة مالية وصعوبة في استرجاع حقه.
كما ينتحل النصابون صفة تجار أو زبائن كبار يبحثون عن صفقات بالجملة، داخل مجموعات “فيسبوكية” للخياطة أو الحلاقة أو بيع الملابس. ويقدمون على بناء علاقات تدريجية مع الضحايا، مظهرين معرفتهم بالمجال، قبل أن يعرضوا صفقات مغرية تتطلب دفعا مسبقا أو إرسال عينات.
وفي كثير من الحالات، يختفون بعد استلام المال أو السلع، مستغلين ثقة الحرفيين الذين يبحثون عن فرص لتوسيع نشاطهم.
ويرى المختص في المجال الرقمي، عبد القادر سالمي في تصريح لـ”الشروق”، أن تواصل سقوط ضحايا للنصب الإلكتروني، مرتبط بعدة عوامل، منها الانتشار الواسع لاستخدام الإنترنت مقابل ضعف الثقافة الرقمية لدى شريحة من المواطنين.
ويؤكد أن “المحتالين يعتمدون بشكل كبير على الهندسة الاجتماعية، أي استغلال الجانب النفسي للضحية، مثل الثقة أو الطمع أو الاستعجال”.
ويضيف سالمي، أن الوقاية تبقى الحل الأفضل، من خلال عدم إرسال أي مبالغ مالية قبل التحقق من هوية البائع، مع الاعتماد على منصات موثوقة، وتجنب العروض التي تبدو مغرية بشكل مبالغ فيه.
وصعوبة إثبات الجريمة الإلكترونية، لا تعني الإفلات من العقاب، بحيث يؤكد المحامي بمجلس قضاء الجزائر، إبراهيم بهلولي، أن جرائم النصب الإلكتروني يعاقب عليها القانون الجزائري، حتى وإن تمت عبر وسائط رقمية.
ويشير إلى أن “القانون يجرم كل أشكال الاحتيال، بما فيها تلك التي تتم عبر الإنترنت، غير أن التحدي يكمن في تعقب الجناة وجمع الأدلة الرقمية”.
ويضيف بهلولي، أن الضحايا مطالبون بالتبليغ الفوري لدى مصالح الأمن، مع الاحتفاظ بكل الأدلة الممكنة مثل المحادثات، أرقام الهواتف، ووثائق التحويل المالي، مشددا على أن “الصمت يشجع المحتالين على مواصلة نشاطهم”.
في ظل هذا التصاعد المقلق لجرائم النصب الإلكتروني، تبقى اليقظة الفردية والتوعية المجتمعية خط الدفاع الأول. فدور المواطن هو التحقق من الشخص الذي ينوي التعامل معه ماليا والحذر منه مهما بدا موثوقا، وتجنب الإرسال المسبق للمال قبل استلام البضاعة، مهما كانت مبررات البائع الإلكتروني.

مقالات ذات صلة