تصفية الدكتور البوطي: تمام الرحلة إلى المجهول!
هكذا انتهت المنازعةُ على الحكم، في سوريا، إلى غوغائية كَلَّفَت سوريا وبقية العالم الإسلامي حياة آخر المحترمين من علماء الملّة، الدكتور البوطي رحمه الله وتلقاه في الصالحين. اخترتُ بدايتي من نهايته، لأن بها عبرةً تدعو إلى قراءة عواقبَ حَذَّرَ منها، وفيها ملامحُ مستقبلٍ لا شيء يمنع من ذهابه بالناس إلى المجهول!
إن محاكمة البوطي سياسيا، وهو رجلُ دينٍ وعالِمٌ مستبحِرٌ، هو سياق هذه النهاية بمقدماتها ونتائجها، وهو داخلٌ في مخططات الهدم التي هي مركب الإسلام السياسي للدنيا ومعارضها، اتخذه الانتهازيون عباءةً للأصالة حينًا وشعارا للدولة الإسلامية حينا آخر، بعيدا جدًّا عن روح الإسلام النقية التي يبعد أن يمثّلها القتلةُ وتُجَّارُ الأعراض.
ما الذي أَوْدَى بالدكتور البوطي رحمة الله عليه؟ الولاءُ للنظام الذي هو العُمْلَةُ المستهلَكةُ لمنتقديه، ينفقونها على غير هدى، ويسارعون إليها في غياب الفهم وما يعين عليه؟ الوسطية التي شَكَّلَت أهمَّ محورٍ في حياته الجدلية فأوغرت عليه فلولَ الظُّلْمَة ولم تُرْضِ عنه كتائبَ الورائيَّةِ؟ رفض الوصاية الخارجية على السوريين، وتكريس الكفاية السياسية والعلمية المحلية؟ القناعة الشخصية بأن المشكلة السورية، تبعا لخصوصية بلده، ليست طائفية من جهة، ومن جهة ثانية هي أعمق من أن يُعجِّلَ بفضها السلاح، ويطبخها الغوغاءُ في مطابخ التطرف والعناد؟
ربما كانت هذه التوابلُ مجتمعةً سببَ هذه النهاية، على أنّ الذي ينبغي الجزمُ به هو أن الفكر التكفيري ـ مشفوعا بانتهازية الظرف ـ قد مَهَّدَ الأرضية لتصفيته، عليه رحمة الله. وقد تقدمَ هذا الفعلَ الجاهليَّ نيلٌ غيرُ مسبوق من عرضه وشرف منزلته العلمية، جذَّرَهُ في صدور عُتَاةِ التكفيريين أساتذةٌ لهم، عليهم يَقعُ دمه لاَحِقًا عن سابقٍ، من ناصر الألباني إلى عبد الرحمن السديس، مرورا بيوسف القرضاوي وعدنان العرعور!
لا نريد الانغماس في التجريم، على طريقة من سبق ذكرهم، ولكن الذي يسمع القرضاوي يتحدث عن مقتل الدكتور البوطي، وعن محله من الأزمة السورية، وعن منازعته إياه حتى سوريته، وعن التنديد بمواقفه المتريثة، لا يشك بأن لغة التشفي هي سيدة خطاب القرضاوي، على منبر الجمعة؛ والذي بلغنا عن السديس، وهو إمام الحرم المكي، من الإفتاء بجواز الفرح بمقتل الدكتور البوطي، وهو من جنس ما كان يُفهَمُ من جدل الألباني ـ في سياق مختلف ـ ومهاترة العرعور وباقي سدنة التكفير في الشام وفي غيرها؛ فالذي يسمع هؤلاء وأتباعهم يقطع بأن الدكتور البوطي اغتيل أكثر من مرة، فتَجَمَّعَ في شخصه أكثر من شهيد، وهو أوسع من أن يُضيَّقَ عليه في دائرة الولاء للنظام السوري.
عطفا على ما تقدم، يبدو لي أن مواقف القرضاوي تنطلق من عقدة قديمة هي ما تسميه العرب “داء الضرة على الضرة”، فالقرضاوي تَعِبَ شديدَ التعب في استدراج الدكتور البوطي رحمه الله، لأنه يعاني منذ زمان بعيد من فقدان المصداقية وانحسار الشعبية، وكـأني به يظن أن التحاق الدكتور البوطي به يَشْفَعُ له في استرداد بريقه السليب!
بعيدٌ جدًّا أن يستفيد واحدٌ من هؤلاء ـ مهندسا كان أم منفذا ـ مِن قتل الدكتور البوطي رحمة الله عليه، فالمستفيد الوحيد من هذا المآل هو شخصه لا شريك له في فضيلة الوفاء لمبادئه، والثبات على عهده، والبقاء منسجما مع نهجه الذي عُرِف به.
لا شك في أن مشكلة الدكتور البوطي رحمة الله عليه مع طواحين التطرف والتحريض هي مشكلةُ فهمٍ وتأويلٍ، هذا إذا قدّرنا بأن فيهم من يستحق حسن الظن. هي مشكلة تأويل، لأن مَدارِكَهُ للنصوص كانت تمنعه من الإسقاطات الممنوعة والتطبيقات المختلّة، فلم يَسْتَجِزْ ولا أجاز تكفيرَ الحكام اتِّكاءً على ما نزل في حق بني إسرائيل غير صريح في حكام المسلمين من جنس قوله تعالى لفظا وسياقا: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة/44)، فالحكام بَشَرٌ يخطئون ويصيبون وفي كل حال هم يعلنون الشهادة ولم يُسْمَعْ منهم كفرٌ صريح ومقصود. كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وهو مَنْ هو علما وديانةً وصحبةً، يُصلِّي وراء الحجاج بن يوسف مع الإشكالات التي تلفّ تاريخه؛ وكان سفيان الثوري يصفع وجه هشام بن عبد الملك بقوله تعالى: (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (هود/113)، ولم يعرف أنه أفتى بالخروج عليه وشق عصاه، وكان محيي الدين النووي يدخل على الحاكم من غير استئذان، يشدد عليه في العتاب، ثم ينصرف، من غير أن يحرّض عليه. وفي المُحصِّلة إنَّنا لم نسمع عن عالم محترم أفتى بجواز الخروج على الحكام غيرِ صريحي الكفر، علما أنهم كانوا يغلظون لهم القول، وينفقون عليهم من النصح ما يتطلب الصبر الكثير، ويُعَرِّض أشخاصهم إلى المؤاخذة، ومع ذلك لم يَحْمِلوا الناسَ على المروق للفساد الذي يترتب عليه.
وللدكتور البوطي رحمة الله عليه مشكلة أخرى هي مشكلة المنهج، تلك التي صنعت منه كيانا معرفيا محجوبا عن غيره حاجبا لهم بقوة ما يستند إليه، وبوحيٍ مما يَسْتَمِدُّ منه. الروحانية التي يتحرّكُ فيها، ويُخْضِعُ لها تصوّرَه، ويمشي في مدارجها بالنصوص منطوقا ومفهوما، هي أكثر ما يباعد بينه وبين مُجَايِلِيه من العلماء والمحسوبين على الدعاة.
طغى هذا المنهجُ عليه بفسحته وبضوابطه وببعده الذوقي، فأخرج مَنْ أحسن الإصغاءَ إليه من الناس، من مضايق الحرفية واختناقات النصية، إلى فضاءٍ أرحبَ نَزَعَ القداسةَ عن شذوذ ابن تيمية وأعاد اعتبار الروحانية إلى محله، وجاهر بنقد المناهج التي لم تصنع لنفسها إلا تاريخا مظلما أَهْوَنُهُ الخروج على الأصول!
هذا يجر إلى الحديث عن نظرية المعرفة مصدرا وإنتاجا. الدكتور البوطي رحمة الله عليه يستأنف خط مَنْ يرى مِن الربانيين من أمثال محمد عليش، وزاهد الكوثري، ويوسف الدجوي، ومصطفى الحمامي رحمة الله عليهم جميعا، أن المعرفة غير موقوفة على تقنية الاستهلاك التي لا يختلف فيها من يطلب العلم عمن يطلب غيره؛ وإنما هي ملكة تُمَكِّن من الاتصال بالمصدر الحقيقي للمعرفة وهو الغيب، وتَصُبُّ لا تَصُبُّ في غير وعائها المخلوق لها وهو الروح، وبهذه الأخيرة تُكَيَّفُ المدرَكاتُ ويتم التنوير. والأخيرة كذلك هي الأساس في إنتاج المعرفة مواطئةً لشخص من يتحدثُ بها، وما نحسب كثيرا من توقيعات البوطي العلمية، (كبرى اليقينيات الكونية) خصوصا، إلا آتيا من هذه المشكاة.
ثالثة المشكلات هي المشكلة الأخلاقية. كان على وعي شديد بها وبما يكتبه للشباب على وجه الخصوص، ما مفاده أن مشكلة الإنسان اليوم إنما هي من هذا الجنس. تتلخص في جوهرها في الفسحة بين ما يقوله المرءُ وما يفعله؛ وبين الأخذ من النصوص أخذا مزاجيا بدل الأخذ الكلي المتوازن؛ وبين التزام المتصدّر للتوجيه ما يدعو إليه غيره وبين مطالبته الناس بما يتحلّلُ منه هو؛ وأخيرا بين إدراك المرء مَلَكاتِ نفسه فلا يتكلف ما لم يُخْلَق له من وظائف الإمامة وأحمالها، وبين التصدر لممارستها على غير هدى وبصيرة.
أما القولُ بحسبان الدكتور البوطي رحمة الله عليه على النظام السوري، لشُبَهٍ لا يَنوءُ بها نُصحُ الحُكَّام وما شاكَلَه، فهو قول تسقط به عدالة صاحبه، لأنه محضُ افتراءٍ يأكل المروءةَ كما تأكل النارُ الحطبَ. ما هو العائد الذي أدرك البوطي رحمه الله جرّاءَ مواقفه؟ هل توسّع في أسباب الدنيا ونال من حُطامها، مكافأةً من أيٍّ كان؟ هل أَحْجَمَ عن مواجهة حكام سوريا، بما فيهم حافظ الأسد، بحقائق ينبغي أن يُوَاجَهوا بها؟ الذي أعلم أن الجواب بالنفي هو الحقُّ الذي لا يجوز ـ ديانةً ـ السكوتُ عليه؛ وأن إذاعتَه ـ ما أُتيحتْ إذاعتُه ـ هو الواقع الذي لا ينبغي ـ مروءةً ـ التغطيةُ دونه.
أعرف من الدوائر المقربة منه، أن مسكنه بسيط جدا، وأنه كان يعيش من راتبه لا غير، وأن البترودولار تعبوا كثيرا في شراء ذمّته بالسيارات الفخمة والأموال الطائلة، ولكنهم كانوا في كل مرّةٍ يُغاضون بتصلُّب رفضِه، وانصرافه إلى أداء رسالته، مستنفرا ما آتاه الله في لمّ الشمل لا في تمزيقه، متأبطا ما قاله صاحبنا القديم:
إِنَّ الأَكَابِرَ يَحْكُمُونَ عَلَى الْوَرَى وَعَلَى الأَكَابِرِ تَحْكُمُ الْعُلَمَاءُ
رحمه الله وأعظم أجر المخلصين فيه !!