الرأي
تقف خلفه أجندات مشبوهة

تعارضٌ مُخترع وتزاحمٌ مصطَنع

سلطان بركاني
  • 2065
  • 0

لم يكن أئمّة الإسلام على مدار 14 قرنا من الزّمان، تأرجحت فيها الأمّة بين القوة والضّعف، يرون أيّ تعارض أو تزاحم بين الاهتمام بحفظ الدّين وصونه عمّا ينسب إليه من عقائد وخرافات، تطفئ بريقه الذي يميّزه عن باقي النّحل والديانات، وبين الوقوف في وجه العدوّ الخارجيّ المتربّص بأمّة خاتمة الرّسالات؛ لأنّهم يعلمون جيّدا أنّ العدوّ لا يدخل على الأمّة إلا من خلال النّوافذ المشرَعة والحبال الممدودة، ولا يستولي عليها إلا بعد أن تتنكّب عقيدة التّوحيد وتتخلّى عن واجب الولاء والبراء، وتنكّس راية التّضحية والفداء.

لقد سجّل التّاريخ كيف تصدّى أعلام الأمّة للعبيديين (الفاطميين) عندما استولوا على المغرب الإسلاميّ ومصر وزحفوا على بعض مناطق الشّام، وكيف جهروا بإنكار عقائدهم وطقوسهم وممارساتهم، واستنفروا الأمّة لكفّ شرّهم وعدوانهم، وكان من بين هؤلاء، الإمام أبو بكر النّابلسيّ (ت 363هـ) الذي أُحضِر بين يدي المعزّ لدين الله الفاطميّ فقال له المعزّ: بلغني أنّك قلت لو أنّ معي عشرة أسهم لرميت الرّوم بتسعة، ورميت العبيديين بسهم؟، فقال النّابلسي: ما قلت هذا، فظنّ المعزّ أنّه قد رجع، فقال: كيف قلت؟ قال: قلت ينبغي أن نرميكم بتسعة، ثم نرمي الرّوم بالعاشر، قال: ولمَ؟ قال: “لأنّكم غيّرتم  دين الأمة، وقتلتم الصّالحين، وأطفأتم نور الإلهية، وادّعيتم ما ليس لكم”، فأمَر بإشهاره في أوّل يوم، ثمّ ضُرب بالسّياط في اليوم الثاني ضربا شديدا مبرحا، ثمّ أمر بسلخه في اليوم الثالث، فجيء بيهودي (!) فجعل يسلخه وهو يقرأ القرآن، فلمّا بلغ تلقاء قلبه طعنه بالسكّين، فمات.

لم يكن الإمام النّابلسيّ ذاهلا عن خطر الرّوم الصّليبيين، ولا كان يقول إنّهم أفضل “دينا”  من العبيديين، لكنّه كان يرى أنّ ما أحدثه هؤلاء في دين الإسلام، وما اقترفوه في حقّ المسلمين، لا يقلّ خطورة عن استيلاء العدوّ، وموقفه هذا الذي وقفه باللّسان، وقفه أهل المغرب مع العبيديين بالسّنان، وبلغ بهم الأمر إلى حدّ التّحالف مع الخوارج لردّ بغي العبيديين، ووقفه معهم النّاصر صلاح الدّين الأيوبي، وهو يتأهّب لتحرير الأقصى من أيدي عبدة الصّلبان، ووقفه السّلطان العثمانيّ سليمان القانونيّ الذي لم تشغله معاركه وغزواته التي أرعبت الأوروبيين عن تأديب الصّفويين.

أئمّة الإسلام الذين ضربوا أروع الأمثلة في سَعة صدورهم للخلاف المتعلّق بالفروع ومسائل الاجتهاد، لم يسكتوا أبدا عن الدّعوات الباطنيّة التي تستهدف عقيدة الأمّة وتاريخها ورجالها، ولا عن دعوات الإرجاء التي تخذّل الأمّة عن واجب الذّود عن دينها وأرضها ومقارعة أعدائها، كما لم يسكتوا عن الانحرافات التي كانت تظهر من بعض حكّام المسلمين، وقد تعرّض كثير من أولئك الأئمّة الأعلام لمحن كبيرة على أيدي بعض الأمراء، كما حصل لأبي حنيفة ومالك وأحمد، ومع ذلك لم يروا منابذتهم، ورأى غيرهم رأيا مخالفا لهم في مواقف أخرى، كما فعل الإمامان الهمامان الحسين بن علي وعبد الله بن الزّبير رضي الله عنهما، وكما فعل الإمام زيد بن عليّ بن الحسين رحمه الله، الذي خالفه ابن أخيه الإمام جعفر الصّادق– طيّب الله ثراه – في موقفه، ومع هذا الاختلاف، كان الجميع متّفقين على ذمّ المذاهب الباطنية، وموقفُ جعفر الصّادق وزيد بن علي ممّن سبّوا أبا بكر وعمر أشهر من أن يذكر، حتى أنّ الإمام زيدًا رفض أن يكون بين أنصاره من يتناول الشّيخين بسوء.

وقبل هذا وذاك، كان الخليفة الرّاشد عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- قد أصّل للأمّة درسا يُفترض أن يكتب بماء الذّهب، عندما خرج عليه الخوارج المارقون، فلم يقابلهم بالقتال من أوّل الأمر، بل ناظرهم وأقام الحجّة على كثير منهم فعادوا إلى جادّة الصّواب، ولم يقاتل إلا من أصرّ على البغي والعدوان، ومع ذلك لمّا سئل عنهم: أ كفّار هم؟ قال: بل من الكفر فرّوا، لم يكفّرهم ولم يَبهتهم ولم يستعن عليهم بعدوّ خارجيّ، وإنّما عاملهم معاملة المسلمين، لكنّه عندما نبتت نابتة الغلوّ وظهر بين أصحابه من وصفوه بصفاتٍ ليست إلا لله، وطعنوا في صاحبيه أبي بكر وعمر، لم يتساهل معهم، بل أنزل بهم أليم العقاب.

هذه المواقف التي وقفها هؤلاء الأئمّة الأعلام على اختلاف مراتبهم ومكانتهم، هي دين وديدن، من حقّنا أن نختلف مع أبناء الأمّة الذين يجتهدون في الاستنان به وإنزاله على وقائع مستجِدّة، لكنّه ليس من حقّ أحدٍ أبدا أن يتّهمهم بتفريق الأمّة والغفلة عن قضاياها وأعدائها، وينصب المجانيق لرميهم بكلّ نقيصة ويصل به الشّطط واللّدد إلى حدّ وصفهم بـ “خفافيش الظّلام”!، و”السّوقة الجاهلين”! و”أدعياء القداسة الكاذبين”!، ثمّ إذا استفرغ مخزون الحِمم عنده، لبس لباس الوعّاظ وتحدّث عن أدب الخلاف، وعن أزمة الأخلاق وغياب الإنصاف!.

مقالات ذات صلة