الجزائر
برود عاطفي بين الأزواج وأطفال منعزلون اجتماعيا

تعايش بلا روح… الشاشات تشتت بيوت الجزائريين

بلقاسم حوام
  • 402
  • 0

لم يعد الأولياء قادرين على كبح تأثير الشاشات على أطفالهم، وتحولوا بدورهم إلى ضحايا لمقاطع الريلز ومواقع التواصل الاجتماعي، التي لم تحمل من اسمها نصيبا، وتحولت إلى مواقع للشتات العائلي والعزلة ونسج علاقات افتراضية بعيدة عن الواقع، تاه في خيوطها الكبير والصغير، وبات الهاتف المرافق الوحيد الذي لا يمكن الاستغناء عنه في النوم واليقظة”.

يؤكد المختصون في علم النفس والاجتماع، أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت عاملًا خفيا وخطيرا في تفكك الأسرة، إذ تسببت في تباعد عاطفي بين الزوجين وأضعفت الحوار الحقيقي داخل البيوت، موضحين أن انشغال كل طرف بعالمه الافتراضي، مع غياب التواصل مع الأبناء، أفقد الأسرة مضمونها الإنساني وحوّل العلاقة الزوجية إلى تعايش شكلي بلا تواصل فعلي.

برود عاطفي بين الأزواج

وفي هذا السياق، أكدت شائعة جعفري، رئيسة المرصد الجزائري للمرأة أنها استقبلت العديد من الشكاوى الزوجية التي تتعلق بالبرود العاطفي والإهمال نتيجة الإفراط في استخدام الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي، التي بات أرضية خصبة بحسبها.

للخيانات الزوجية الإلكترونية والإهمال الأسري…

وقالت شائعة إنه كلما قل الحوار بين الزوجين زادت الهوة والبعد النفسي والتأثير على الأطفال الذين بدورهم باتوا منهمكين في تصفح الشاشات وبات لا يربطهم مع أوليائهم غير مائدة الطعام وبعض التوجيهات المدرسية، أين يعاني أبناؤنا من اغتراب أسري واجتماعي يتطلب حسبها وضع أسس جديدة لتشجيع التفاعل العائلي عن طريق اعداد برامج أسرية تعتمد على الحوار والأنس والمشاركة وتبادل أطراف الحديث، وهو الأمر الذي يساعد على تنشئة اجتماعية للأطفال ويجعلهم يقبلون على الحياة بفطرة سليمة، “عكس ما نراه اليوم من أطفال منفعلين ومعزولين وفاشلين دراسيا، بسبب الإدمان على اللوحات والهواتف الذكية، التي باتت للبعض مرافقا في كل مكان”.

وأشارت محدثتنا أن أبرز أسباب الطلاق حاليا باتت تعتمد على البعد النفسي أكثر من الأسباب المادية، فالرجل المنغمس في العلاقات الافتراضية يقارن زوجته بنساء أخريات ونفس الأمر بالنسبة للمرأة. وهذا ما يصعد الهوة بين الزوجين اللذين ينتهي بهما المطاف أخيرا إلى الطلاق خاصة بعد تدخل أطراف خارجية، وضعف تحمّل المسؤولية، والفوارق الاجتماعية والثقافية، إضافة إلى الخيانة الفكرية أو العاطفية، مؤكدة أن كثيرًا من الزيجات تُبنى على أسس هشة لا تصمد أمام أول اختبار.

أبعدوا الشاشات عن غرف النوم

وبدورها، قالت المختصة في علم النفس الأسري ليلى اسعد، إن غرف النوم هي مكان يفضفض فيه الأزواج ويسكنون إلى انفسهم، ويتبادلون التجارب والحكايات والأحداث والنصائح في أجواء رومنسية وحميمية من شأنها أن تقوى العلاقة الزوجية، وإذا كانت هناك مشاكل أو سوء فهم يتم حلها بطريقة تعتمد على الحوار الهادئ والاحتواء والاعتذار في حال الخطأ، غير أن ما نراه اليوم بحسبها من الإهمال الزوجي في غرف النوم التي تحولت إلى مراقد بلا روح ولا أنس، نتيجة غياب الحوار والانشغال بالملهيات على غرار الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي، وحتى البرامج التلفزيونية، التي باتت تأخذ وقتا أكبر للرجال وحتى النساء.

مختصون: مواقع التواصل… عامل خفي لتفكيك الأسرة

ومن بين التوجيهات النفسية التي تقدم عادة للأزواج، تضيف المختصة، أن يجعلوا غرف النوم مكانا مقدسا للتفاعل والحوار والأنس بعيدا عن جميع المشتتات، وحتى الأطفال حسبها يستحب عدم تعويدهم الدخول والنوم مع الأولياء، والمشكل حسبها أن العديد من الأزواج باتوا منشغلين بهواتفهم حتى وهم فوق سرير النوم، “فلا الزوج يكترث لحاجة زوجته وهذه الأخيرة قد نجدها منهمكة في متابعة المجموعات النسائية والحصص الاجتماعية وبرامج الطبخ، فيقل الحوار بين الزوجين وتتنامى فجوة أحاديث النفس التي قد تكون ممهدا للانفجار والغضب والشجار في أي لحظة”.

أطفال ضحية تشتت الأولياء

وإذا كان هذا حال الأولياء، تضيف ليلى اسعد، فالأمر ينعكس حتما على الأطفال الذين نجدهم منهمكين في نسج علاقات إلكترونية لا تحمد عقباها، ويعوضون تجاهل واهمال الأولياء، بملء أوقاتهم بالألعاب الإلكترونية أو مشاهدة الرسوم المتحركة والأفلام والتبحر في المواقع الإلكترونية التي باتت تهدم أكثر مما تبني وفيها الكثير من العادات السيئة التي قد يتبناها الأطفال وسط غفلة من الأولياء فينحرفون ويفقدون البوصلة ويف وتتفاجأ الأسرة بعدها يتورط أطفالها في آفات اجتماعية وانحرافات يصعب إصلاحها.

تصالحوا مع أنفسكم قبل فوات الأوان …

ولتفادي مالا تحمد عقباه، نصحت المختصة النفسانية الأولياء بضرورة تنمية التفاعل الأسري والحوار، الذي من شأنه تفادي الكثير من المشاكل واحتواء الأبناء قبل تيهانهم في العالم الافتراضي الذي لا يرحم، وشددت ليلى اسعد على ضرورة ضبط أوقات استعمال الهاتف، وتخصيص فترات لاجتماع الأسرة بعيدا عن كل الملهيات على غرار تنظيم نشاطات رياضية وسياحية ودينية وصلة الأرحام يكون فيها الحوار هو الغالب، وتخصيص أوقات يتفرغ فيها الأولياء لأبنائهم من خلال الحديث عن اليوميات وتبادل التجارب والنصائح وإظهار مشاعر الحب والحنان وهذا ما من شأنه حسبها أن يزيد ارتباط الأسرة ويحميها من كل أشكال التفكك التي نراها اليوم والمحاكم هي خير شاهد على التصدع العائلي بسبب غياب الحوار الاحتواء.

المحاكم تكشف المستور…

وبدوره، أكد المحامي، محمد جحيش، معتمد لدى المحكمة العليا وخبير في قضايا الأسرة، أن المحاكم اليوم أصبحت مرآة لما يعيشه المجتمع من آفات ومشاكل وظواهر تهدد استقرار الأسر الجزائرية، وكشف أن قضايا الخيانات الزوجية الإلكترونية باتت من أكثر القضايا المطروحة على محاكم الأسرة، وتحولت إلى معول هدم لاستقرار العائلات، ولا يكاد ينجوا من هذه الآفة إلا أصحاب العقل الراجح والوازع الديني القوي، في وقت أصبح فيه الهاتف أمرا مقدسا ويأخذ من وقت الزوج أكثر من العائلة..

وبالنسبة للأطفال، يضيف محدثنا حدث ولا حرج، فالعديد من القضايا التي تشيب لها الرؤوس تتعلق بالابتزاز الإلكتروني والتنمر والتحرش التي يتعرض لها المراهقون من الجنسين، وسط غفلة الأولياء، وقال من خلال تجربته القانونية، أنه في حال ما لم يحتوي الأولياء أطفالهم ويراقبون ما يتصفحونه على الهواتف فإن العواقب ستكون وخيمة، بعد تنامي عدد الأطفال ضحايا الاستغلال الإلكتروني على مواقع التواصل، وما شهدناه حسبه من أطفال ينتحرون أو يهربون من البيت نتيجة ألعاب الكترونية هو خير دليل على خطورة هذا الأمر.

مقالات ذات صلة