تعيين مدرب فرنسي لـ”الخضر” رهين قرار سياسي
تأخذ خطوة تعيين مدرب فرنسي للمنتخب الوطني الأول لكرة القدم لخلافة الصربي ميلوفان راييفاتش، بعدا سياسيا من خلال التحركات والمفاوضات التي يجريها الاتحاد الجزائري لكرة القدم، بقيادة محمد روراوة منذ نهاية الأسبوع الماضي، بالنظر إلى الحساسية الموجودة في العلاقة بين الطرفين الجزائري والفرنسي، التي اتّسمت بعدم الاستقرار في الفترة الأخيرة وسط تصريحات استفزازية وإساءة إلى تاريخ الثورة التحريرية الجزائرية وإلى شهدائها وحتى إلى اللاعبين مزدوجي الجنسية من الجانب الفرنسي بقيادة الرئيس فرانسوا هولاند.
غالبا ما يحتكم رئيس الفاف محمد روراوة إلى السلطات العليا في البلاد، عندما يتعلق الأمر بمنصب مدرب المنتخب الوطني الأول وجنسيته، وتجسد ذلك في الاهتمام الذي توليه السلطات للمنتخب الوطني وإنجازاته بشكل خاص في السنوات الأخيرة بداية من تصفيات مونديال 2010، وبالضبط خلال الأزمة الكروية التي نشبت بين الجزائر ومصر، فضلا عن الدور الذي لعبته السلطة السياسية خلال موقعة أم درمان الشهيرة، وامتدت إلى غاية كأس إفريقيا 2010 بأنغولا ودورة 2013 بجنوب إفريقيا، وصولا إلى مونديال البرازيل، الذي انتهى بطلب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من المدرب الأسبق وحيد خاليلوزيتش بالبقاء في منصبه قبل أن يعتذر الأخير ويغادر، وحل بعده المدرب الفرنسي كريستيان غوركوف، الذي صاحبت طريقة تعيينه على رأس “الخضر” الكثير من الأنباء، على غرار تدخل وزير الدفاع الفرنسي لدى السلطات الجزائرية لتعيينه في هذا المنصب، وبعد رحيل غوركوف مطلع شهر أفريل الماضي، تغيرت المعطيات دفعة واحدة بإحجام رئيس الفاف عن التعاقد مع مدربي المدرسة الفرنسية، ووقتها انتشرت أخبار تفيد بأن ابتعاد “الحاج” عن المدربين الفرنسيين جاء بضغط من السلطات، حيث تعاقد مع الصربي ميلوفان راييفاتس، قبل أن ينهي تعاقده معه بطريقة “درامية” بعد مباراة الكاميرون الأخيرة.
الإصرار على المدرب الفرنسي “تموقع” غير مبرر
وفيما يخص المدرب الجديد لـ”الخضر”، فإن الأمر هذه المرة لن يخرج عن العادة، حيث سيستشير رئيس الفاف السلطات العليا قبل الإعلان عن المدرب الذي سيقود المنتخب، وسيحسب ألف حساب لعواقب القرار الذي سيتخذه.
فما يدور من أسماء مقترحة لتدريب المنتخب الأول لكرة القدم، جلهم فرنسيون باستثناء بعض الأسماء الناطقة بالفرنسية من جنسية بلجيكية، على غرار مارك ويلموتس وبول بوت، وفي ذلك خضوع مفضوح لما يشاع عن مطلب تقدم به اللاعبون مزدوجو الجنسية إلى رئيس الفاف لانتداب مدرب فرنسي أو فرانكفوني.
فالقائمة تبدو محصورة حسب ما روج له رئيس الفاف ذاته أو عبر قنواته “غير الرسمية”، محصورا بين ثلاثة مدربين فرنسيين، وهم بول لوغوين وألان بيران وألان كوربيس، وإن تأكد هذا وتم ترسيم أحد الثلاثة أو أي اسم فرنسي آخر، فإن الأمر ينطوي على ممارسة خطيرة، لأن مطالب لاعبي المنتخب الوطني ستأخذ منحى أكثر تطرفا في المستقبل.
وعلى الرغم من أن أهمية عامل اللغة لا يمكن إنكاره في أي عملية تواصل بين المدرب واللاعبين، إلا أن “التقوقع” على الجنسية الفرنسية لتجسيد هذا الانشغال يبقى غير مبرر، لعدة اعتبارات، إذ يمكن العثور على مدرب يتقن الفرنسية من غير حاملي الجنسية الفرنسية.
توتر العلاقات الفرنسية- الجزائرية سيؤثر في “الخيار”
كما أن التبعية لكل ما هو فرنسي تعتبر جلدا للذات، طالما أن الخيارات كثيرة ومتنوعة، فالعلاقات بين الجزائر وباريس وإن حافظت على مستويات معينة من الاستقرار، إلا أن إمعان الطرف الفرنسي من حين إلى آخر في الإساءة إلى الجزائر، يحتم على الجزائريين التعامل معهم بحزم و”أنفة”، على الأقل انتصارا لدماء الشهداء الذين ماتوا برصاص الاستعمار الفرنسي.
وإن كان البعض يعتبر مثل هذا الاعتبار استحضارا لماض تجاوزه الزمن، فالإجابة يمكن استلهامها من الكيفية التي غادر بها المدرب السابق لـ”الخضر” كريستيان غوركوف وسابقه وحيد خاليلوزيتش، ومن الاحتقار الذي رافق بعض تصريحاتهما تجاه الجزائريين.
فالس وهولاند “تطاولا” على الجزائر
ولم يكن ما صدر عن المدربين المذكورين من إهانات، سوى حلقة في سلسلة من التحرش الرسمي الفرنسي تجاه الجزائر، تجسدت في تغريدة الوزير الأول الفرنسي مانويل فالس على “تويتر”، عبر نشره صورة مسيئة للرئيس بوتفليقة، فضلا عن استبعاد فرنسا للجزائر من الاجتماع الدولي حول ليبيا الذي أقيم على أرضها، وجاءت الإساءة الأخيرة للرئيس هولاند، عندما أدلى بتصريحات مسيئة أيضا تخص مجاهدي الثورة، وأنهى هولاند ذاته هجومه على الجزائر بانتقاده اللاعبين مزدوجي الجنسية في كتابه المثير للجدل “كلام كان على الرئيس ألا يقوله”، حيث قال فيه: “يوجد لاعبون في منتخب فرنسا لكرة القدم يُمثلون الألوان الوطنية بلا مشاعر. لاعبون تربّوا في الأحياء، تائهون بلا معالم ولا قِيم… لاعبون تربيتهم سيّئة، جيء بهم إلى منتخب فرنسا صغارا، ثم أصبحوا أثرياء كبارا”، وكان هولاند يقصد بالذات اللاعب كريم بن زيمة ذي الأصول الجزائرية، قبل أن يتلقى ردا لاذعا من طرف جزائري الأصل نبيل فقير الذي فضل اللعب لفرنسا على حساب الجزائر، حيث قال: “فلْيقل (فرانسوا هولاند) ما يشاء.. يوجد الحمقى والأذكياء في كل مجال، أعتقد أن فرانسوا هولاند لا يعرف جيّدا عالم كرة القدم”.
وأضاف فقير متعاطفا مع نجم ريال مدريد: “بن زيمة برهن أنه لاعب كبير، أعتبره مثالا جيّدا في اللعبة، لمّا كنت معه في منتخب فرنسا ساعدني كثيرا، لذلك أطلب من فرانسوا هولاند أن يُبدّد أفكاره المُسبّقة، وألا يخلط بين هذا وذاك”.
لوغريت دق “آخر” المسامير
أخر خرجة “فرنسية” تطرح العديد من التساؤلات، هي التصريحات التي أدلى بها رئيس الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، نويل لوغرايت، على مرتين في ظرف أسبوعين، عندما أعرب عن أمله وإصراره على برمجة مباراة ودية بين الجزائر وفرنسا على أحد الملاعب الجزائرية، مشيرا إلى أنه من غير المعقول عدم إجراء هذه المباراة بين بلدين تربطهما علاقة تاريخية، مبرزا أن برمجة هذا اللقاء مرهونة بموافقة السلطات السياسية في الجزائر.
لأجل كل ما سبق، يمكن القول إن جلب مدرب فرنسي جديد لـ “الخضر”، “طعنة” للأنفة الجزائرية، التي حافظت على كرامتها حتى في أحلك فترات الأزمة.