تغيرات المناخ تفرض معادلات جديدة على صناعة مواد التجميل بالجزائر
شهدت الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، تطورا ملحوظا في مجال تصنيع مستحضرات التجميل والعناية الشخصية، خاصة مع ظهور علامات ومنتجين محليين يسعون إلى تلبية الطلب الداخلي، غير أن التحولات المناخية أصبحت تضع أمام هذه الصناعة تحديات جديدة تتجاوز حجم السوق والمنافسة، وتبحث عن منتجات أكثر جودة والأنسب لزمن يعرف طقسا متقلبا ومتطرفا.
وخلال المؤتمر الدولي لعلم مواد التجميل المنظم من طرف الجمعية الجزائرية لعلم مواد التجميل يومي أربعة وخمسة سبتمبر الجاري لفندق “الشيراتون” بالعاصمة، وحضور ممثلين عن وزارة التعليم العالي والتجارة والصحة، وبعض الشركات المصنعة لهذه المواد وبيولوجيين وطلبة، طرحت عدة انشغالات حول توفر للمصنعين إمكانيات كافية لإجراء اختيارات الثبات لمنتجات التجميل تحت درجة حرارة مرتفعة وكيفية اختيار المنتجات في ظروف قريبة من تلك التي تواجهها فعليا في أثناء النقل والتخزين والاستعمال، وحول اختيار العبوات بناء على قدرتها لحماية المنتج من الحرارة والضوء والرطوبة.
وكلها أسئلة تكتسب أهمية خاصة لأن جودة المنتج لا ترتبط بالتركيبة وحدها وإنما أيضا بالطريقة التي يحفظ بها منذ خروجه من المصنع إلى أن يصل إلى المستهلك.
البروفسور زبيش: ندعو إلى تشجيع بحوث علمية حول مواد تجميل ذات جودة عالمية
ولم يعد الطقس، بحسب الكثير من البيولوجيين الذين شاركوا في المؤتمر، مجرد عامل يحدد ما يرتديه الجزائريون أو طريقة تنقلهم خلال أيام الصيف والشتاء، بل بدأ يفرض نفسه أيضا على ما يضعونه على بشرتهم وشعرهم، فمن موجات الحر الطويلة إلى ارتفاع درجات الحرارة المفاجئ، مرورا بفترات الجفاف والرطوبة وتزايد التعرض لأشعة الشمس وتغير احتياجات المستهلكين.
بحوث جامعية حول منتجات قادرة على مواكبة مناخ متقلب
ولأن صناعة مواد التجميل باتت تجد نفسها أمام تحد جديد، فإن المناقشات التي تخللت المؤتمر الأول الدولي لعلم مواد التجميل، ركزت اهتمامها حول كيفية تطوير منتجات قادرة على مواكبة مناخ متقلب.
وفي السياق، قال البروفسور يونس زبيش رئيس الجمعية الجزائرية لعلم التجميل، ورئيس مصلحة علم السموم بالمؤسسة الاستشفائية المتخصصة آيتا يدير بالعاصمة، في تصريح لـ “الشروق”، إن الأمر في أسواق هذه المنتجات يبدو بسيطا للوهلة الأولى، لكن المستهلك يبحث عن كريم أخف خلال الصيف أو واق شمسي أكثر فعالية، منتج للشعر يتحمل الرطوبة، أو مستحضر يحافظ على خصائصه رغم ارتفاع درجات الحرارة، مشيرا إلى أنه خلف هذه الاختيارات اليومية توجد معادلة صناعة أكثر تعقيدا، تبد من اختيار المواد الأولية ولا تنتهي عند التخزين والنقل ووصول المنتج إلى رفوف المحلات.
وأكد أن المؤتمر عرف مشاركة 200 عمل لباحثين في مجال صناعة مواد، وتنظيم 10 ورشات علمية وتطبيقية، موضحا أنه تم تنظيم أول طبعة لمسابقة حول تثمين البحث العلمي بالجزائري، وفتح مجال المشاركة لشباب بمشاريع لمنتجات ذات جودة تتماشى مع السوق العالمية يمكن عرضها على المستثمرين والصناعيين من خلال الربط أيضا بين الباحث والجامعة.
وأفاد البروفسور يونس زبيش، أن مواد التجميل ذات الصنع المحلي تغطي نسبة 80 بالمائة من سوق هذه المواد في الجزائر، لكن اليوم هناك تحد آخر يتعلق بمواد أكثر جودة وانسب لتقلبات المناخ، مضيفا أن المؤتمر اختار 3 مشاريع كأحسن عمل شبابي يهدف إلى الوصول إلى منتج وطني يمتاز بخصائص الجودة العالمية وذي فعالية.
ارتفاع درجات الحرارة يغير معادلة صناعة منتجات العناية
وتعتبر موجات الحرارة المرتفعة، بحسب البروفسور زبيش، من أبرز التحديات التي تواجه مستحضرات التجميل، لأن بعض التركيبات قد تتأثر بالحرارة سواء من حيث القوام أم اللون أم الرائحة أم استقرار المكونات، وهو ما يجعل اختيارات الثبات والاستقرار جزءا أساسيا من عملية تطوير المنتج.
وتزداد أهمية هذه النقطة، بحسبه، في البلدان التي تعرف صيفا حارا، حيث يمكن أن يتعرض المنتج لدرجات حرارة مرتفعة أثناء النقل أو التخزين خصوصا إذا لم تكن سلسلة التوزيع مجهزة بالشكل المناسب.
وقال إن المنتجين المحليين مدعون لتصميم التركيبات في الجزائر وفق الظروف المناخية المحلية وتعدي مرحلة تطوير بعض المنتجات التي تعتمد أساسا على تركيبات مطورة لأسواق ذات ظروف مناخية مختلفة.
التغيرات المناخية غيرت اختيار المستهلك…
وخلال المؤتمر، تطرق باحثون مختصون في البيولوجيا، إلى موضوع التغيرات المناخية، تغييرها لسلوك المستهلك، والتأثير على المنتج، مؤكدين أنه خلال فترات الحر قد يفضل المستهلك تركيبات خفيفة وسريعة الامتصاص، بينما تزداد الحاجة في فترات الجفاف إلى منتجات تساعد على الحفاظ على ترطيب البشرة أم الشعر، فالتأثر بدرجات الحرارة والرطبة والتعرض لأشعة الشمس يدفع إلى البحث عن منتجات ذات خصائص مختلفة بحسب الموسم والظروف الجوية.
وهذه التحولات بحسبهم، تفتح أمام المصنعين فرصة لتقسيم المنتجات وفق احتياجات مناخية أكثر دقة، بدل الاكتفاء بالتصنيف التقليدي بحسب نوع البشرة أو الشعر.
واقي الشمس… من مرهم موسمي إلى ضرورية يومية
وقال هؤلاء إن من أكثر المجالات التي يرتبط فيها التجميل بالمناخ منتجات الحماية من الشمس، فمع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة التعرض لأشعة فوق البنفسجية يتحول واقي الشمس تدريجيا من منتج يستخدم في العطل والمناسبات الصيفية إلى جزء من روتين العناية اليومية لدى شريحة متزايدة من المستهلكين.
وقد أخذت الكثير من الشركات الجزائرية الخاصة بإنتاج مواد العناية والتجميل، بعين الاعتبار تطوير منتج واقي شمس محلي، يتناسب مع أنواع البشرة وبدرجات وقاية مختلفة، لكن التحدي بالنسبة لهؤلاء المصنعين لا يتعلق فقط برفع مستوى الحماية، بل، بحسب بعض الشركات المشاركة في المؤتمر، يتعلق بإنتاج تركيبة يقبل المستهلك استخدامها يوميا، وسهلة التطبيق، لا تترك أثرا مزعجا وتتحمل العرق والرطبة وتتناسب مع طبيعة البشرة والظروف المناخية المحلية.
التغليف يدخل دائرة تحدي مصنعي مواد التجميل
وفي زمن التقلبات الجوية، لا تقتصر جودة إنتاج مواد التجميل والعناية على المنتج فقط، بل باتت العبوة أكثر من مجرد وسيلة لتقديم المنتج فهي عبوة مطالبة بحماية المستحضر من العوامل الخارجية، وفي الوقت نفسه تكون عملية وسهلة الاستخدام وصديقة للبيئة قدر الإمكان.
وقد شارك شباب باحثون في المؤتمر ببعض المقترحات حول تغليف مواد التجميل، فمن هنا تبرز معادلة صعبة أمام المصنعين، بداية من تقليل استخدام البلاستيك والمواد ذات الأثر البيئي من جهة والحفاظ على حماية المنتج واستقرار من جهة أخرى.
وقد يصبح الابتكار في مجال التغليف احد أهم محاور المنافسة المستقبلية في سوق مستحضرات التجميل وخصوصا مع ارتفاع الاهتمام العالمي بالاستدامة، والتقلبات الجوية وتغير الطقس الذي يساهم في التأثير على الغلاف والمنتج.
وفرة المواد الأولية تفتح مجال التحدي
وحول موضوع مواد التجميل، أكد البروفسور يونس زبيش لـ “الشروق”، أن تداعيات المناخ لا تتوقف عند المنتج النهائي فالقطاع يعتمد على سلاسل توريد واسعة تشمل المواد الأولية، الزيوت والمستخلصات النباتية ومواد التغليف وغيرها، وإن اضطرابات الإنتاج الزراعي أو النقل أو سلاسل الإمداد يمكن أن ينعكس على توفر بعض المواد وتكلفتها، مشيرا إلى أن الجزائر تستمتع بأعشاب برية وبحرية ومواد أولية متنوعة، بحرية غابية وجبلية، لكن بعض الكوارث مثل حرائق الغابات قد تؤثر على اختفاء أو نقص بعض هذه المواد الأولية.
وبالنسبة للمنتجين المحليين، بحسبه، قد يمثل تنويع مصادر المواد الأولية وتطوير المواد المحلية فرصة لتقليل بعض المخاطر المرتبطة بالأسواق الخارجية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على معايير الجودة والسلامة.
وفي الأخيرة، شدد رئيس الجمعية الجزائرية لعلم صناعة مواد التجميل، البروفسور يونس زبيش، على ضرورة تكاثف الجهود والتنسيق بين عدة قطاعات لتذليل الصعوبات المطروحة أمام صناعة مواد التجميل محليا، وجعلها ذات جودة عالمية تتناسب والتقلبات الجوية ومتطلبات المستهلك الجديدة.