تغييرات الجيش ورهان الاستقرار
هدأت “العاصفة” التي حاولت بعض التحليلات والتخمينات، إثارتها، بالاستناد إلى سلسلة من القرارات “الثورية”، التي وقعها رئيس الجمهورية، بالنسبة للحكومة أو داخل المؤسسة العسكرية، وترى أوساط مراقبة، أن “نتائج وحصيلة” تلك التغييرات، وبعد مرور أيام طويلة تؤكد عدم وجوّد أي خلاف أو نزاع بين المؤسسات الدستورية، في الشقّ المرتبط بالتغيير، حتى وإن كان ذلك موازيا لـ “انسداد وغموض” على الصعيد السياسي.
التقى الكثير من “كبار” المحللين، عند معادلة “التوافق” في توقيع تغييرات وُصفت بالعميقة والدقيقة، وقد عزّز هذا التحليل، موقف المؤسسة العسكرية، التي أعلنت رسميا من خلال لسان حالها مجلة “الجيش”، عن “تعديل حكومي عميق عيّن من خلاله نائبا لوزير الدفاع، ومسّ التغيير بعض الإدارات التابعة لوزارة الدفاع الوطني” بعد أيام من نشر الشروق لمعلومات تؤكد التوافق والتنسيق التامين بين الرئيس بوتفليقة وقادة الجيش في إجرائه تلك التغييرات، وهو الرأي الذي نزلت عنده أغلب القراءات بعد أن هدأت العاصفة .
موقف واضح بدّد تأويلات إعلامية واجتهادات سياسية، اعتقدت في بداية الأمر، أن التغييرات تعكس “نزاعا” أو “صراعا” بين مؤسسة الرئاسة ومؤسسة الجيش، قبل بضعة أشهر فقط، عن موعد الانتخابات الرئاسية، وذهب تنظير البعض، إلى حدّ الحديث عن ترتيبات “أحادية” لتغليب كفة جهة على حساب جهة أخرى داخل دواليب صنع القرار، إلى درجة أن البعض توقّع رد فعل قوي من المؤسسة العسكرية أو جزء منها رفضا لهذه القرارات، إلا أنّ العكس هو الذي حصل بإستقرار المؤسسة وانسجامها في الحفاظ على أمن الوطن.
وقد حاولت أطراف سياسية، قبل أسابيع، جرّ الجيش إلى المعترك السياسي، غير أن المؤسسة العسكرية، أصدرت آنذاك بيانا أكدت فيه التزامها الحياد وتبرّئ نفسها من أيّ تدخل غير دستوري.
التطورات والأيام، أثبتت برأي مراقبين، وعارفين لسيرورة مهام وصلاحيات المؤسسات، أن التغييرات الأخيرة لم تكن نتاج “صراعات مكتومة”، تكون قد فرضتها حسابات و”خلافات” رئاسيات 2014، وإنـّما استدعتها متغيرات أخرى، أكبر من الاستحقاق السياسي، ولها علاقة مباشرة بالمستجدات الأمنية على المستوى الإقليمي والدولي.
وسط الخلط بين تحليلات ذات صلة بالانتخابات الرئاسية، ومعلومات بشأن التغييرات التي مست بعض مديريات وفروع المؤسسة العسكرية، لم تتأخر هذه الأخيرة، عن التحذير من “إصدار أحكام مسبقة وتقييم للحالة السائدة في صفوف مؤسسة الجيش”، بالاعتماد على “معلومات مغلوطة ومصادر مجهولة لا صلة لها بالجيش، ومغرضة تسعى إلى زعزعة الاستقرار وزرع الشكوك حول وحدة وصلابة وتماسك الجيش الوطني الشعبي”.
التغييرات الأخيرة، واضح جدا أنها لم تؤثر بأيّ حال من الأحوال، على تماسك وانسجام المؤسسة العسكرية، مثلما حاولت بعض الجهات الترويج له أو تضخيم أهدافه، مبرزة أن مهام المديريات بعد إعادة توزيع الوظائف والصلاحيات، تسير بطريقة مهنية لا تشوبها أيّ شائبة.
وعلى النقيض في المشهد السياسي يسود الغموض والارتباك واحيانا الانسداد بالنظر إلى قرب موعد الرئاسيات دون أن تتضح الرؤية بخصوص التمديد للرئيس بوتفليقة على ذمة تعديلات دستورية مرتقبة أو نيته في العهدة الرابعة بالنظر إلى وضعه الصحي غير المريح، خاصة مع فشل الطبقة السياسية في فتح نقاش أو فرض خارطة طريق سياسية تضمن السلامة لجزائر ما بعد أفريل 2014، وقد أربك إعلان مقربين من علي بن فليس نية الأخير في ترشحه للرئاسيات سواء ترشح بوتفليقة أو لم يترشح أربك المشهد السياسي أكثر مما هو مرتبك، ودفع البعض إلى توقع معركة انتخابية حامية الوطيس قد تشبه تلك التي عشناها العام 2004 بين بن فليس وبوتفليقة.
ومع كلّ التحليلات والتوقعات التي أعقبت سلسلة التغييرات وما رافقها من إشاعات، أكدت المؤسسة العسكرية أن “الجيش الوطني الشعبي يؤدي مهمته النبيلة في ظلّ الاحترام الصارم للدستور والانسجام التام مع القوانين التي تحكم سير مؤسسات الدولة الجزائرية، وهو في خدمة الشعب والوطن تحت قيادة رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة وزير الدفاع الوطني”.
وكان الرئيس بوتفليقة، بصفته وزير الدفاع القائد الأعلى للقوات المسلحة، أجرى بـ “التنسيق والتوافق” مع الفريق محمد مدين، رئيس جهاز المخابرات، وكذا نائب وزير الدفاع، قائد أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، سلسلة من التغييرات داخل مؤسسة الجيش، شملت مديريات الأمن الداخلي والخارجي و”أمن الجيش” وكذا التوجيه والإعلام، وألحقتهم بهيئة الأركان، فيما أبقت على مصلحة الاستعلام التي كان يقودها العقيد فوزي ضمن صلاحيات جهاز المخابرات.
وكلها تغييرات _قالت المصادر حينها- أنه فرضتها عوامل خارجية وتحديات أمنية، وتمّ إدراجها في إطار مواصلة مسار العصرنة والاحترافية، فيما حاولت بعض الأطراف تفسيرها على أساس أنها مؤشر “نزاع مؤسساتي”، وهو ما فندته مصادر متطابقة، تزامنا مع استمرار تنافس وخلافات بين أقطاب الطبقة السياسية-سلطة ومعارضة- بشأن الانتخابات الرئاسية، التي مازالت محلّ جدل “قانوني وسياسي”، بين داعين إلى عهدة رابعة لبوتفليقة، ومعارضين لها، ولكلّ فريق مبرراته وحساباته.