-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تغييرُ النظام يتحقّق في واشنطن!

تغييرُ النظام يتحقّق في واشنطن!

     من المفارقات الكبرى في تاريخ النظم السياسية أن تُصاغ المصطلحات لتوصيف أحداثٍ تجري خلف البحار، ثم تدور الأيام لتجد تلك المصطلحات مستقرا لها في عقر دار منطلقها الأول. لعقود طويلة، ظل تعبير “تغيير النظام” حكرا على أدبيات السياسة الخارجية الأمريكية، دالا على استراتيجيات واشنطن الصلبة في تفكيك بنى الحكم في عواصم الشرق الأوسط أو أمريكا اللاتينية وإعادة تشكيلها بالقوة. لكن، في هذا المؤلف الاستقصائي الفارق للصِّحافيين المخضرمين ماغي هابرمان وجوناثان سوان، ينحرف المصطلح عن مساره الخارجي المعتاد ليتخذ دلالة داخلية كاشفة، واضعا بنية السلطة الأمريكية نفسها تحت مشرحة النقد والتحليل.

لا ينطلق هذا الكتاب -الصادر عن دار النشر سيمون آند شوستر بالتزامن مع النصف الأول من الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب في عام 2026- من موقف أيديولوجي تبشيري يسعى لصياغة “مانيفستو” سياسي لعزل الرئيس أو تقويض إدارته، بل ينهض كوثيقة صِحافية وتأريخ فوري صارم يعتمد على مئات المقابلات الحصرية والشهادات الحية من داخل الغرف المغلقة للبيت الأبيض. إن الأطروحة الأساسية التي يبرهن عليها المؤلَّفان هي أن “تغيير النظام” الأكثر إثارة للذهول والجدل في العقد الحالي لم يحدث في طهران أو في أي عاصمة إقليمية أخرى، بل تحقق بالفعل داخل واشنطن؛ إذ نجح ترامب في تحويل مؤسسة الرئاسة الأمريكية من نموذجها الدستوري التقليدي القائم على توازن السلطات، إلى “رئاسة إمبراطورية” متحررة من الكوابح والضوابط.

يفكِّك الكتاب عبر فصوله المطوَّلة الفارق الجوهري بين الولاية الأولى لترامب وولايته الثانية، فإذا كانت الحقبة الأولى قد تميزت بوجود الجنرالات والمستشارين التقليديين الذين مثّلوا كوابح بيروقراطية أمام اندفاعات الرئيس، فإن الولاية الثانية -كما يصفها سوان وهابرمان- تبدو متحللة تماما من تلك القيود، بعد أن حلت “عقيدة الولاء الشخصي المطلق” كمعيار وحيد وأوحد لتبوّإ المناصب القيادية وإدارة مفاصل الدولة الفيدرالية.

ومن خلف الستائر الذهبية للبيت الأبيض، وممرات “قاعة العمليات” المحصَّنة، ينقل الكتاب تفاصيل مذهلة عن طبيعة الحكم الفردي؛ مستعرضا كيف تحولت أجهزة إنفاذ القانون وسياسات الأمن القومي إلى أدوات تخدم الرواية الشخصية للرئيس وإدارة أزماته اللصيقة -مثل كواليس التعامل مع “ملفات جيفري إبستاين” الساخنة لضمان تماسك الكتلة الانتخابية الصلبة. كما يضيء الكتاب على المفارقة السياسية الكبرى التي طبعت هذه المرحلة: كيف تراجع ترامب عن طموحاته المبدئية بإسقاط وتغيير النظام الإيراني عسكريا، لينتهي به المطاف بالتركيز على إعادة صياغة النظام السياسي الداخلي لأمريكا، مستخدِما أدوات القوة الناعمة والخشنة لتهميش الرقابة القضائية والتشريعية، والتحكم في حركة الأسواق المالية عبر تدفق مستمر من التصريحات المباشرة.

إن كتاب “تغيير النظام” يمثل مرآة تحليلية بالغة الأهمية لفهم تحولات القوة في العالم المعاصر؛ فهو لا يكتفي برصد الأحداث، بل يقدِّم قراءة استشرافية عميقة حول مآلات النزعة الانعزالية الأمريكية أمريكا أولا (America First)، وكيف يمكن لحكم غريزي مفرط في شخصنته أن يعيد تعريف مفهوم الدولة والمؤسسة في واحدة من أعرق الديمقراطيات الغربية، مما يجعله وثيقة لا غنى عنها لكل باحث في أروقة السياسة الدولية وصناعة القرار.

ويتألف هذا الكتاب من 496 صفحة وسيصدر رسميًّا يوم 23 جوان 2026، ويتمحور حول دراسة بنية “الرئاسة الإمبراطورية” في الولاية الثانية من خلال الأقسام الرئيسية التالية:

الجزء الأول: تفكيك القيود:

  • لماذا تختلف رئاسة ترامب الثانية؟: استعراض غياب الجنرالات والمستشارين التقليديين الذين كانوا يمثّلون كوابح لقراراته في الولاية الأولى.
  • مفهوم الرئاسة الإمبراطورية: تأصيل نظري وسياسي لكيفية تحول البيت الأبيض إلى مركز سلطة مطلق يعتمد على الولاء الشخصي الكامل.
  • آلية عمل السلطة الرئاسية الجديدة: كيف تُدار القرارات بناءً على الغريزة والاندفاع الشخصي بدلا من القنوات البيروقراطية والمؤسساتية المعتادة.

الجزء الثاني: هيكل النفوذ الداخلي للبيت الأبيض:

  • بنية القوة داخل البيت الأبيض: رصد صراع الأجنحة بين الصقور الجُدد والمستشارين، وكواليس اتخاذ القرارات داخل الغرف المغلقة.
  • المحاكم في مواجهة الرئيس: كيف تعاملت الإدارة الجديدة مع الأوامر القضائية، وتخطي الحدود القانونية التي كانت تفرضها المحاكم سابقا.
  • الكونغرس والحدود السياسية: آليات تهميش الدور الرقابي للكونغرس وتحييد المعارضة السياسية حتى داخل الحزب الجمهوري نفسه.

الجزء الثالث: أدوات السيطرة والانتقام:

  • وزارة العدل وسلطة إنفاذ القانون: كواليس تحويل الأجهزة القانونية الفيدرالية إلى أدوات لملاحقة الخصوم السياسيين وتصفية الحسابات.
  • الأمن العسكري والسلطة المحلية: ملف نشر قوات الحرس الوطني داخل المدن الأمريكية، واستخدام القوانين العسكرية الاستثنائية لإغلاق الحدود.
  • قاعة العمليات وإدارة الأزمات الشخصية: فصلٌ خاص يكشف الاجتماعات السرية المخصَّصة للتغطية على ملفات جيفري إبستاين والقضايا التي مست الدائرة اللصيقة بالرئيس لضمان عدم تأثر قاعدته الانتخابية.

الجزء الرابع: المال والإعلام والمستقبل:

  • الرئاسة كأداة للتربُّح: تتبع الصعود الضخم لثروة عائلة ترامب وشركاته خلال 14 شهرا، بالتوازي مع طفرة العملات المشفرة والاستثمارات.
  • التواصل الإعلامي والسلطة العامة: كواليس التلاعب بالأسواق المالية عبر التصريحات المباشرة، وإدارة رواية الأحداث خلال الأزمة الإيرانية وحرب الشرق الأوسط الجديدة.
  • ماذا يعني هذا للمستقبل؟ قراءة استشرافية حول إعادة تشكيل مفهوم القوة الأمريكية داخليا وخارجيا، وتأثير النزعة الانعزالية أمريكا أولا على الحلفاء التقليديين.

ولا يقف كتاب “تغيير النظام” عند حدود الرصد الصِّحافي العابر لما يدور في أروقة واشنطن، بل يغوص غوصا عميقا عبر بنية تحليلية رباعية الأبعاد لتشريح التحوُّل الهيكلي الذي شهدته مؤسسة الحكم الأمريكية في عهد دونالد ترامب.  إن الفكرة الجوهرية التي يرتكز عليها هذا المؤلَّف الاستقصائي هي أن السلطة لم تتغير في توجهاتها السياسية فحسب، بل أعادت إنتاج نفسها وفق قواعد جديدة كليا، متجاوزةً الأعراف الدستورية التقليدية لصالح نموذج حكم فردي “مفرط الإمبراطورية”. ولأجل تتبُّع هذا التحوُّل الراديكالي، يأخذنا المؤلِّفان في رحلة تفسيرية تتدرج عبر أربعة محاور رئيسية، تبدأ من هدم النظام القديم وتصل إلى صياغة معالم المستقبل.

وفي الأخير يرى فلاسفة التاريخ أن ميزة التحليل الاستراتيجي الرصين لا تكمن في قدرته على تتبُّع الأحداث بعد وقوعها، بل في التقاط بذور التحوُّل الجذري وهي لا تزال في طور التكوين.

وقد تطرّقت “الشروق اليومي” إلى هذه القضية، أي التغيير في أمريكا، منذ أشهر، عندما نشرت يوم 27 فيفري 2026 مقالا لكاتب هذه السطور بعنوان “هل بدأ ترامب في تفكيك الولايات المتحدة؟” أكّدت فيه أن معركة الولاية الثانية لترامب لن تقتصر على السياسات، بل تستهدف “تفكيك البنية الفيدرالية” وتآكل توازنات القوى التقليدية بين البيت الأبيض والمؤسسات الشريكة، مما يدفع بالمنظومة بأكملها نحو نمط جديد من الاضطراب الهيكلي، وهاهما مؤلّفا كتاب “تغيير نظام” يؤكّدان هذا الطرح.

لا يقف كتاب “تغيير النظام” عند حدود الرصد الصِّحافي العابر لما يدور في أروقة واشنطن، بل يغوص غوصا عميقا عبر بنية تحليلية رباعية الأبعاد لتشريح التحوُّل الهيكلي الذي شهدته مؤسسة الحكم الأمريكية في عهد دونالد ترامب.  إن الفكرة الجوهرية التي يرتكز عليها هذا المؤلَّف الاستقصائي هي أن السلطة لم تتغير في توجهاتها السياسية فحسب، بل أعادت إنتاج نفسها وفق قواعد جديدة كليا، متجاوزةً الأعراف الدستورية التقليدية لصالح نموذج حكم فردي “مفرط الإمبراطورية”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!