تغيير قواعد اللعبة قبل تغيير اللاعب الأول
قبل أن نخدع مرة أخرى بسفسطة الطبقة السياسية حول فرص تغيير أحوال البلاد بتغيير راس البلاد، حري بنا أن نلتفت إلى طبيعة قواعد اللعبة التي تتحكم منذ الاستقلال في صناعة رئيس الدولة ورئيس البلدية وما بينهما، والبحث في شروط قيام الدولة المدنية التي لا تلغي عساكرها.
غياب الرئيس عن أرض الوطن لأجل العلاج فتح شهية المتطلعين إلى منصب الرئاسة الرفيع، بالدفع نحو تفعيل المادة 88 من الدستور وتنظيم رئاسيات مسبقة، وفي الحد الأدنى التموقع داخل خريطة رئاسيات 2014 من جهة جس نبض الشارع، ورصد الإشارات التي قد تصل المرشحين سواء من جهة أرباب الدولة العميقة في المؤسسة العسكرية، أو من جهة القوى الدولية المهتمة بتأمين مصالحها عبر المشاركة في تأهيل ودعم الوافد الجديد على موقع الرئاسة.
صحيفة “جون آفريك” المقربة من مخابر صنع القرار في الجزائر وفي باريس سارعت إلى نشر نتائج لما تدعي أنه سبر للآراء حول الشخصيات التي من المحتمل أن تدخل السباق، من بين قائمة محدودة أوحت بها الصحيفة لمن استفتتهم، أنها قامت أصلا بعميلة سبر للآراء، جاء ضمنها ذكر سبع شخصيات، لم نكن بحاجة إلى سبر للآراء حتى نتعرف عليها، لأنها هي ذاتها الشخصيات التي أطلت بأعناقها منذ بداية حملة المضاربة على هامش مرض الرئيس، وبعضها كان قد جرب حظه في الرئاسيات السابقة.
.
الوهم عند تجار الأوهام
المواطن العادي الذي يخدعه على الدوام دجل الطبقة السياسية والإعلام المهيمن، قد يدخل مرة أخرى في رهان خاسر، ويعلق آمالا عريضة على الفرصة المتاحة لتغيير ربان السفينة، لأن الطبقة السياسية والإعلام المهيمن يشتركان مرة أخرى في التعمية على مسار صناعة الرؤساء في الدول النامية كما في أعرق الديمقراطيات الغربية.
والحال حري بنا أن نتعرف على المطابخ الحقيقية التي تصنع لنا رئيس الدولة ورئيس البلدية وما بينهما، بدل الاستغراق الأحمق في فحص فرص هذا أو ذاك من المرشحين، والبحث لهم عن مواطن القوة التي تسندهم وتقوي من حظوظ الفوز.
وإذا كان الأمر في الديمقراطيات الغربية قد حسم نهائيا، بوضع آليات موثوق بها لتصنيع رؤساء الدول، وتنظيم تداول آمن داخل معسكرين لهما رب واحد يأتمر به الجميع، حتى أصبح من الممكن لأي محلل هاوٍ أن يتعرف على الرئيس القادم للولايات المتحدة الأمريكية أو فرنسا أو رئيس الوزراء القادم لبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا، فإن الأمر يكون أسهل بكثير في دول نامية مثل بلدنا، ما يزال مسار صناعة الرئيس فيها شراكة بين القوة الوحيدة الماسكة بالدولة العميقة، والقوى الدولية صاحبة المصالح الكبرى في هذه الدولة أو تلك.
.
والحقيقة عند صناع القرار
على خلقية هذه المسلمة المتحكمة في صناعة القادة في الدولة الحديثة، دعونا الآن نستعرض فصولا من مسار تصنيع الرئيس في بلد مثل الجزائر، الذي لم يكن يجادل فيه أحد في زمن الحزب الواحد على أن الجهة المقررة الأولى والوحيدة، هي مؤسسة الجيش الوطني الشعبي، وقد ورث هذه الصلاحية من جيش التحرير الذي حسم الأمر في الأيام الأولى من الاستقلال، بانتزاع القرار من المدنيين ومنهم القيادات السياسية لجبهة التحرير، فكانت له اليد الأولى في ترجيح كفة الرئيس الأول المرحوم بن بلة، لتتولى المؤسسة العسكرية بعد ذلك إدارة عملية الترشيح والتزكية وما بينهما حتى قيام التعددية دون منافس.
”المواطن الذي يخدعه على الدوام دجل الطبقة السياسية، قد يدخل مرة أخرى في رهان خاسر، ويعلق آمالا عريضة على الفرصة المتاحة لتغيير ربان السفينة من غير حاجة إلى تغيير قواعد تأهيل الربان”
اقرار دستور 89 التعددي لم يغير من هذا الواقع قيد أنملة، سواء أثناء عشرية الفتنة واستدعاء المؤسسة لشخصيات من داخل المؤسسة، أو من مخزون الدولة من جيل قادة ثورة التحرير من المدنيين والعسكريين، مؤتمنين على تحصين بقاء القرار بيد المؤسسة الماسكة بأهم مفردات الدولة العميقة في المركب البيروقراطي الإداري التكنقراطي والأمني، ولم يكن من فرصة لأفرقاء المشهد السياسي أن يغيروا من هذا الواقع، أو حتى محاولة ترشيده عبر المطالبة الجادة بإشراكهم في الرأي، بما في ذلك ما يسمى بأحزاب النظام التقليديين وعلى رأسهم جبهة التحرير التجمع الديموقراطي.
.
حتى يلج الجمل من سم الخياط
والحال ما الذي تغير منذ رئاسيات 1999 وبداية العهدة الأولى للرئيس بوتفليقة، بترشيح وتزكية ومؤازرة لا غبار عليها من المؤسسة العسكرية، حتى ينشأ عن بعضهم وهم بإمكانية إحداث تغيير في مسار صناعة الرئيس القادم للجزائر خارج إرادة المؤسسة العسكرية الماسكة بالدولة العميقة؟ وأين هي إرادة التغيير أصلا عند قادة الأحزاب إذا كانت حدود التغيير عند رمز من رموز المعارضة مثل الشيخ جاب الله تنتهي عند دعوة رحيل الرئيس بوتفليقة سواء كان أحسن أم أساء كما قال؟
في تقديري المتواضع، وتقدير أي ملاحظ فطن يعلم من أين تؤكل الكتف ومن يأكلها أصلا، فإن السنوات الثلاث عشرة المنقضية منذ انتخاب الرئيس بوتفليقة، لم تأت بجديد يذكر حتى يدعي بعضهم أن صناعة الرئيس القادم سوف يحتكم فيها لموازين قوة غير تلك التي بيد المؤسسة العسكرية؟ فالمشهد الدستوري والسياسي هو ذاته المشهد الذي جاء بالرئيس ليامين زروال ثم بوتفليقة، وهو نفسه الذي يعيد إنتاج نفس البرلمان بنفس الوجوه، وبنفس التوزيع الآمن لريع المناصب القيادية في الحكومة والإدارات الكبرى، وإذا كانت القوى السياسية من أحزاب السلطة وأحزاب المعارضة قد عجزت عن تغيير المعادلة في ما هو أقل شأنا من الرئاسة، في الانتخابات التشريعية والمحلية، فكيف لها أن تغير قواعد اللعبة في الاستحقاقات الرئاسية؟
وإذا كانت قواعد اللعبة على حالها، فإن كل هذا الشغب الحاصل بشأن تفعيل المادة 88 من الدستور، والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة، وتسويق فكرة تغيير أحوال الوطن والمواطنين عبر تغيير ساكن المرادية، هو عندي محض تهريج، لأن الوافد القادم اليوم أو عند نهاية العهد الثالثة للرئيس بوتفليقة، سوف يكون صناعة أصيلة للمؤسسة الماسكة بعنان إدارة الدولة العميقة، والتي لن تسلم الموقع إلا لمن يقبل بحماية قواعد اللعبة وضمان استمراريتها، سواء على مستوى موقع الرئاسة، أو على المستويات الثانوية في المؤسسات المنتخبة المركزية والمحلية، وما سوى ذلك وهم على وهم، وادعاء كاذب بإمكانية ولوج الجمل من سم الخياط.
.
شروط تغيير قواعد اللعبة
لا مراء أن الرئيس بوتفليقة الذي جاء يقينا عبر هذا المسار المحكم إرتاجه، لم ينجح في تغيير قواعد اللعبة، حتى وإن كان قد نجح في تفكيك العلبة السوداء للمؤسسة العسكرية، وأعاد لها وحدتها وتماسكها، وأخرجها من دائرة التأثير الخارجي، وحماها بسياسة السلم والوئام من شر كان يتربص بها في كثير من الدوائر الغربية ومنها فرنسا، وحماها أكثر بإبعادها عن الواجهة السياسية، لكنه فشل يقينا في إحداث التغيير الحقيقي والإصلاح القاعدي للدولة، بإبعاد المؤسسة عن ساحة الإدارة السياسية المباشرة، والذي لم يكن لتقبل به المؤسسة إلا بتوفر ثلاثة شروط على الأقل:
الأول: أن يحصن الموقع الرئاسي من احتمال وصول زعامة لا تتمتع بمؤهلات تسمح لها بتقدير حاجيات ودور المؤسسة التاريخي في إدارة البلد منذ الاستقلال، والتي قد تستغل الصلاحيات الدستورية للرئيس، بوصفه القائد العام للقوات المسلحة، إما لتغيير هوية المؤسسة والتوازنات الدقيقة داخل هيكلها القيادي، أو تذهب دون روية نحو تحييد فج للمؤسسة من دائرة صناعة القرار بالجملة.
الثاني: أن تطمئن المؤسسة إلى قيام مؤسسات حكم قادمة من المشهد السياسي بذات المواصفات المطلوبة في الرئيس، حتى لا تفاجأ المؤسسة العسكرية غدا ببرلمان وحكومة قادمين من مسارات انتخابية مفتوحة، يقلبان الطاولة عليها دون روية، ويجبران المؤسسة على العودة إلى نقطة الصفر، كما حصل مع بداية التعددية في التسعينيات من القرن الماضي.
الثالث: أن يحتفظ للمؤسسة في كل الأحوال بشراكة وبدور دائم في صياغة السياسات التي لها صلة بملفات الأمن القومي، وربما منحها حق الفيتو على أية سياسة مستقبلية ترى أنها قد تغير من هوية الجيش الوطني الشعبي، أو تضعف من موقعه، أو تهمش مؤسساته، أو تعوق تطويره عبر التشريع والعبث بحصته من ميزانية الدولة.
.
وأشراط قيام الدولة المدنية
حتى الآن لا يبدو أن رئيس الجمهورية قد نجح في تمرير إصلاحات دستورية وسياسية، تنتقل بالبلد إلى مرحلة تسليم إدارة الدولة العميقة والبلد إلى القوى السياسية المدنية، مع وجود رغبة صادقة لا ينكرها إلا جاحد، كما فشلت القوى السياسية الناشئة عن دستور 89 في طمأنة الجيش، ليس فقط حيال موقع المؤسسة مستقبلا ودورها في إدارة ملفات الأمن القومي، بل أيضا حيال قدرة المجتمع السياسي المدني على إدارة الدولة والبلد بقدر من الكفاءة والإحاطة بموقع الجزائر من موازين القوة التي تتحكم في العالم من جهة، وبالتهديدات القائمة أو المتوقعة على الأمن القومي للبلد.
”ما لم تحصل تسوية تاريخية عقلانية للعلاقة المستقبلية بين المدني والعسكري، تترجم في الدستور، فإن قواعد اللعبة التي تحكمت منذ الاستقلال في أنتاج واجهة الحكم سوف تستمر على حالها”
نظم الحكم التي تولدت عن الربيع العربي، ووصول قوى سياسية غير ملمة باستحقاقات إدارة الدولة، في عالم خرجت فيه العلاقات الدولية عن مبادئ “ويستفالي” وحرمة سيادة الدولة القطرية، فضلا عن الاستحقاقات الجديدة التي أحدثتها العولمة، تكون قد زادت من مخاوف المؤسسة العسكرية، بالنظر إلى الانفلات الحاصل في مصر وتونس وليبيا واليمن، بما يرشح هذه الدول إلى السقوط السريع في دائرة الدول الفاشلة، وقد يقود في الحالة المصرية إلى عودة المؤسسة العسكرية المصرية إلى الواجهة ولو عبر ثورة مضادة يستعمل فيها الشارع كما حصل مع بداية الربيع العربي.
وما لم تدخل القوى السياسية في حوار بعيد عن الأضواء مع المؤسسة العسكرية، وتقترح صيغا إصلاحية تطمئن المؤسسة العسكرية، وتتخذ منها شريكا فاعلا في إدارة مرحلة انتقالية طويلة الأمد، لنقل إدارة البلد إلى حكم مدني صرف لا يحرق المراحل، ولا يقصي المؤسسة العسكرية من إدارة ملفات الأمن القومي، ويحفظ لها في كل الأحوال مصالحها التقليدية، ما لم يحصل مثل هذه المقاربة العقلانية للعلاقة المستقبلية بين المدني والعسكري، وتتوصل الطبقة السياسية مع المؤسسة العسكرية إلى تسوية تاريخية تترجم في الدستور، فإن قواعد اللعبة التي تحكمت منذ الاستقلال في إنتاج واجهة الحكم سوف تستمر على حالها، سواء على مستوى تأهيل مرشح الإجماع لمنصب الرئاسة أو في انتاج بقية مؤسسات الحكم على المستوى المركز والمحلي.