تفاصيل احتلال بغداد وأين أمضى صدام ليلته الأخيرة
يستذكر العراقيون التاسع أفريل من كل عام باعتباره يوما أسود في تاريخ بلاد الرافدين، التي تعاقبت عليها جيوش الغزاة على مدى القرون الماضية، غير أن بغداد لم تستسلم لإرادة الأجنبي، وسرعان ما تنفض عنها غبار الاحتلال وتعود حرّة وقبلة العرب برغم جراحها. مراسل إذاعة “مونتي كارلو” من العراق يسرد بعض تفاصيل سقوط بغداد في 9 أفريل 2003 وكيف نظّم صدام صفوف المقاومة في اليوم الموالي 10 أفريل لتقضّ مضاجع الاحتلال الأمريكي وتنزل به هزيمة تاريخية بعد سنوات.
كان صباح التاسع من أفريل 2003 حزينا وكئيبا، حتى نهر دجلة كان حزينا، وليس النهر الذي كنا نعرفه متدفقا وحيويا وجميلا، حتى بدا لنا ونحن نتطلع إليه من شرفة غرفتنا في فندق “المريديان” ببغداد أنه متوقف عن الجريان. ووسط أجواء الترقب والانتظار تردد الصحافيون الذين تجمعوا في باحة الفندقين لمتابعة ما يحدث من حولهم، بعد أن تضاربت الأخبار حول حقيقة ما يجري في الخارج، انتبهوا إلى من يدعوهم إلى مؤتمر صحافي عاجل لوزير الإعلام السيد محمد سعيد الصحاف على سطح فندق المريديان.
وهرعنا إلى السطح وإذا بالصحاف يطمئن الصحافيين، ويؤكد أن “الأمور مسيطر عليها“، وأن ما يسمعونه هو تسريبات صحافية هدفها إحداث البلبلة والتأثير في معنويات المقاتلين، وكان الصحاف متماسكا وعنّف بعض مراسلي وسائل الإعلام الأمريكية لعدم مصداقية تقاريرهم حول تطورات الحرب على العراق، غير أن الصحاف غادر الفندق في سيارة عادية قاصدا المقر البديل لوزارة الإعلام في التلفزيون التربوي بمنطقة الأعظمية.
وأوهمت قوات الاحتلال العالم أنها بإسقاط تمثال الرئيس الراحل صدام حسين في ساحة الفردوس عصر التاسع من أفريل عام 2003 أنهت الصفحة العسكرية في حربها مع العراق، في حين كان صدام في نفس اللحظة في منطقة الأعظمية يحيي الجماهير التي التفّت حوله في مفارقة بين مشهدين كانت تعيشهما بغداد في ذلك اليوم في تاريخ العراق. وما يكشفه سيناريو الاحتفال باحتلال بغداد الذي جرى في ساحة الفردوس، هو أن أكثر من نصف بغداد وخمس محافظات عراقية هي الموصل وصلاح الدين والأنبار وديالي وكركوك لم تصلها القوات الأمريكية، هنا كانت الرمزية في إسقاط تمثال صدام في وسط ساحة في قلب بغداد كرسالة إلى الجميع مفادها أن بغداد والعراق كله أصبح تحت السيطرة.
وكان صباح العاشر من أفريل حزينا ومختلفا عن بقية الأيام، فالدبابات الأمريكية تطوق ساحة الفردوس واتخذت من باحة فندقي المريديان والشيراتون مكانا لانتشار قوات المارينز، وتدلّت الرايات البيضاء من شرفات الفندقين بعد أن قذفتهما مدفعية الدبابات الأمريكية التي تسللت إلى بغداد وقتلت وجرحت العديد منهم.
وبعد اكتمال وصول طلائع القوات الأمريكية إلى قلب العاصمة وأطرافها الغربية، تحولت إلى مدينة أشباح يصول ويجول فيها اللصوص الذين دهموا المصارف الحكومية والأهلية، فيما استباح آخرون المتحف العراقي ونهبوا محتوياته أمام أنظار تلك القوّات التي غضت النظر عن نهب وتدمير حضارة العراق وذاكرته التاريخية..
وبحسب رواية ضابط أبلغ الصحافيين في حينه فإن صدام أشرف بنفسه على سير معركة المطار بكل تفاصيلها من موقعه في جامع أم الطبول القريب من المطار منذ السادس من أفريل، وأن قوات الحرس الجمهوري المدافعة عن المطار كبدت القوات الأمريكية خسائر فادحة وأفشلت إنزالا جويا على حافته الغربية برغم التفوق الجوي الأمريكي، واتهم القوات الأمريكية باستخدام أسلحة استراتيجية غير تقليدية في معركة المطار بعد أن شعرت أنها ستتعرض لهزيمة منكَرة فقررت الاستعانة بسلاح محرم دوليا أدى إلى شل قدرة القوات المدافعة عن المطار بفعل السلاح المستخدَم الذي أوضح أنه تسبب في شل حركة أطقم الدبابات ومنظومات الدفاع الجوي إلى حد احتراقهم واستشهادهم وهم في أماكنهم.
في هذه اللحظات الحاسمة، أمضى صدام ليلته في جامع أم الطبول غرب بغداد؛ حيث توجّه صدام ظهر التاسع من أفريل إلى منطقة الأعظمية، وحيا الذين تجمعوا لتحيته وكان معه وزير الدفاع سلطان هاشم أحمد وولده قصي وبعض أفراد الحماية، وعندما انتهى من ذلك اصطحب معه سكرتيره عبد حمود وثلاثة فقط من حمايته وتوجه إلى جهة مجهولة، وكان صدام الذي رفض الإنذار الذي وجهه بوش الابن القاضي بمغادرته وولديه العراق خلال 48 ساعة من بدء الحرب، قد ودّع عائلته في اجتماع مؤثر في إحدى مزارعه في منطقة الدورة جنوب بغداد. وكشف مصدرٌ مطلع أن نجلي الرئيس الراحل صدام حسين عدي وقصي وابنه مصطفى توجها إلى سوريا بعد الاحتلال بعدة أيام، إلا أن السلطات السورية أبلغتهما بمغادرة أراضيها، والموقف السوري تكرر مع شقيقي صدام وهما سبعاوي ووطبان ووزراء ومسؤولين عراقيين كبار، في حين استضافت إحدى القبائل العراقية زوجة صدام وبناته وأولادهما.
وأصيب الصحفيون بحيرةٍ واستغراب بعد استدعائهم على عجل إلى مؤتمر صحافي في فندق المنصور المطل على نهر دجلة في الأيام الأولى للحرب، وفوجئوا بإعلان وزير الدفاع سلطان هاشم أحمد أن طلائع القوات الأمريكية قد تصل بغداد في غضون أسبوعين، وكان وزير الإعلام محمد سعيد الصحاف إلى جانب وزير الدفاع وهو يشرح على خريطة سير المعارك، بدا حزينا لكنه لم يرمش له جفن حين تسقط الصواريخ على المنطقة التي يقع فيها الفندق، حتى إن طاولته اهتزت من عصف القصف وارتداداته على القاعة وأبوابها وشبابيكها، لكن الرجل بقي صامدا غير مكترث بما يجري خارج القاعة.
ونظم المركز الصحافي في وزارة الإعلام جولة للصحافيين العرب والأجانب لبعض مناطق التماس جنوبي بغداد التي زعمت قوات الاحتلال أنها وصلتها، غير أننا شاهدنا حطام دبابات وعربات نقل أمريكية محترقة ومتناثرة على الطريق السريع ووجود عشرات الجنود العراقيين وآلياتهم تحدّثوا عن معارك شرسة مع القوات الأمريكية.
وكان وزير الإعلام محمد سعيد الصحاف يوجز للصحافيين يوميا سير المعارك وعقد نحو 20 مؤتمرا صحافيا خلال فترة الحرب، وإلى غاية التاسع من أفريل.
واستلم الصحاف في ذلك اليوم رسالة مكتوبة بخط صدام موجهة إلى العراقيين يدعوهم فيها إلى مقاومة الاحتلال. وفي صبيحة اليوم التالي أي العاشر من أفريل، وخلال اجتماعنا في ساحة الفردوس اقترب مني شخصٌ لا أعرفه وقدّم لي بيانا مطبوعا صادرا عن القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية، يدعو إلى مقاومة المحتل، وطلب مني استخدامه في رسالتي اليومية إلى إذاعة “مونتي كارلو” التي كنت مراسلا معتمدا لها بالعراق. وعلى الفور، أعددت تقريرا عاجلا أشرت فيه إلى أن المقاومة ضد الاحتلال بدأت بعد يوم من احتلال العراق، كأول رد فعل على احتلاله، وأشرت إلى أنها أسرع مقاومة في التاريخ، إذ أعلن عن مقتل جندي أمريكي جنوب بغداد في نفس اليوم.