الرأي

تفجيرات “البايجر”.. دروس وعبر

حسين لقرع
  • 1196
  • 0

ما حدث يومي الثلاثاء والأربعاء، من تفجير أجهزة “بايجر” ثم أجهزة الهاتف اللاسلكي في لبنان، هو ضربة موجعة وقاسية لـ”حزب الله”، بل هي أشدّ قسوة من اغتيال بعض كبار قادة “وحدة الرضوان” في الضاحية الجنوبية لبيروت لاحقا، وستظلّ هذه الضربة ماثلة في أذهان مسؤوليه سنوات طويلة، لكنّ ينبغي أيضا أن توقظ 56 دولة عربية وإسلامية من سباتها الطويل ما دامت تستورد كل شيء وتكتفي باستهلاك ما تنتجه أمم الأرض جميعا ولا تنتج حاجياتها الأساسية، ما يسهّل تكرار ما حدث لـ”حزب الله” في لبنان وفي أيّ بلد عربي أو إسلامي آخر.
في البداية، كانت هذه الأمة تتذرّع بهيمنة الاستعمار الأوروبي على أغلب أقطارها بآسيا وإفريقيا ونهب خيراتها ومنعها من الالتحاق بركب التقدّم، ولكنّ الاستعمار العسكري المباشر انحسر عنها منذ عقود طويلة، وهناك دول عديدة استقلت منذ نحو 80 سنة، لكنّها لم تتقدّم خطوة واحدة على صعيد التصنيع وتحقيق الاكتفاء الذاتي في حاجياتها الأساسية وبقيت تستورد كلّ شيء إلى اليوم؛ من الملعقة إلى الثلاجة والسيارة والطائرة والسلاح والهواتف الثابتة والمحمولة وأجهزة التلفاز والإعلام الآلي وحتى الألعاب الإلكترونية للأطفال… كل السلع متوفّرة في الأسواق، والشعوب تستهلك ببذخ وتتفاخر بامتلاك أحدث الهواتف والسيارات وهلمّ جرّا وكأنّها هي التي صنّعتها!
وكانت النتيجة أن أصبحت الدول الإسلامية رهينة لما ينتجه الغرب، وعوّدت شعوبها على هذا النمط الاستهلاكي المرضي ولم تعد تفكّر في إنتاج حاجياتها المختلفة يوميا، هل سمعتم يوما بأنّ هناك بلدا عربيا أو مسلما يسعى إلى إنتاج الهواتف المحمولة، حتى “الغبيّة” منها؟ كلّ دولنا تستوردها من الخارج وأفضلها تقوم بتركيبها محليا بعد استيراد مكوّناتها وتتفاخر بذلك، وكأنّ هناك فرقا بين استيراد السلعة جاهزة واستيراد مكوّناتها والاكتفاء بتركيبها في عمليات استعراضية جوفاء، والأغرب من ذلك أنّ هناك دولا تستورد أقمارا اصطناعية وتطلقها من محطات أجنبية إلى مداراتها الفضائية، ولا تسعى إلى تصنيعها محلّيا، ولا تشعر إزاء ذلك بأيّ خطورة، بل تتفاخر بذلك، حتى أنّ المغرب يستعدّ لاستيراد قمر اصطناعي عسكري صهيوني للتجسّس على الجزائر، ولا يشعر بأنّه يشكّل خطرا على أمنه القومي قبل أن يشكّله على الجزائر!
اليوم اتّضح مدى اتّساع الفجوة التيكنولوجية بيننا وبين الغرب، والسبب واضح ولا يحتاج إلى تفلسف أو سفسطة؛ إذ يمكن لأبسط مواطن عربي أن يطّلع في “غوغل” على واقع البحث العلمي في دول الغرب والكيان الصهيوني وفي الدول العربية، وما ينفقه كلّ طرف على هذا المجال الحسّاس، ويجري مقارنة بسيطة بينهما، وسيفجع، بلا شكّ، بالنتائج، ويدرك بعدها سبب تخلّفنا العلمي والتيكنولوجي الرهيب وارتهاننا المطلق للغرب.
الأمّة الإسلامية لا تنقصها الكفاءات العلمية والعقول، بدليل أنّ مئات الآلاف من خيرة باحثيها يوجدون في دول الغرب ويساهمون في تقدّمها العلمي والتيكنولوجي، لأنّها وفّرت لهم بيئة مناسبة للبحث لم توفّرها لهم بلدانهم التي تسيطر عليها أنظمة متخلّفة لا تكترث بهذا المجال ولا بهجرة أدمغتها وتكتفي باستيراد كلّ شيء.
ما حدث منذ أيام في لبنان، هو ضربة قاسية لـ”حزب الله”، ولكنّ ينبغي أن يكون أيضا درسا قاسيا للبلدان الإسلامية جميعا، فهي ليست بمنأى عن خرق أمنها السيبراني وهواتفها المحمولة واللاسلكية وحواسيبها وأنظمة اتّصالها المختلفة، ما دامت تكتفي بالاستيراد من دول مختلفة ولا تصنّع شيئا.
منذ يومين فقط، اتّهم الرئيس الشيشاني المسلم، رمضان قديروف، الملياردير الأمريكي الشهير ومدير شركة “تسلا”، إيلون ماسك، بتعطيل سيارته عن بُعد، وهي السيارة الإلكترونية المصفّحة التي أهداها له قبل أسابيع قليلة، فما الذي يمنع من تلغيم سياراتنا وطائراتنا وهواتفنا المحمولة وحواسيبنا وأجهزة تلفازنا وغيرها من الأجهزة المستوردة وتفجيرها عن بُعد؟ وما الذي يحول دون زرع أجهزة تجسّس مجهرية داخلها لمعرفة كلّ شاردة وواردة عنّا؟ وما الذي يمنع الغرب من أن يدسّ -مثلا- في الأدوية وشتى المواد الكيميائية التي يصدّرها لنا موادّ تصيب رجالنا ونساءنا بالعقم أو قلّة الخصوبة، لتقليل أعدادنا أو لتشويه خلقة الأجيال القادمة؟
نحن في عصر الجيل السادس من الحروب، وهو جيل يعتمد على التيكنولوجيا المتطوّرة والهجمات السيبرانية والذكاء الاصطناعي… ويمكن من خلاله شنّ هجمات تقتل الآلاف من دون أن يخاطر المهاجم بجنوده أو يطلق صاروخا أو حتى رصاصة واحدة، وقد ربح الاحتلال أوّل رهان إلى حدّ الساعة كما رأينا في “معركة البايجر واللاسلكي” بتعاون استخباراتي غربي لا لبس فيه، ونأمل أن تستخلص دولنا العبر الكافية مما حدث قبل فوات الأوان.

مقالات ذات صلة