الرأي

تفسير سورة النّاس .. الحلقة السابعة: صدر الإنسان هو بيت الشّيطان

أبو جرة سلطاني
  • 913
  • 0

في الصّدر قلب وفي القلب مضغة صغيرة يصلحها التّوحيد والذّكر والعمل الصّالح. ويفسدها الشّرك والغفلة ووسوسة الشّيطان، فإذا صلح بالإيمان واطمأنّ بذكر الله صلح العقل والجسد والجوارح، وكانت له تبعًا في صلاحه سالمة بسلامته. وإذا فسد واضطرب وارتاب فسد الجسد كلّه بفساده وكانت الجوارح تبعا له في هواه وشهوته. وليس على المرء أن يصاب جسْمُه بالعلل أو بسهام الحروب فيخسر دنياه. ولكنّه إذا أصيب قلبه بسهام الشّهوة وتلوّث عقله بأدران الشّبهة خسر دنياه وأخراه، ذلك هو الخسران المبين. والشّاعر يقول.

يهونُ عليْنا أنْ تُصــابَ جُسومُنــا   *   وتَسْلـــمُ أعراضٌ لنَــا وعُقـــولُ.

تختم هذه السّورة بتقرير حقيقة تغيب على كثير من الناس، وهي أنّ الوسوسة ليست حرفة مخصوصًا بها الجنُّ والشّياطين -في عالم الغيب- فحسب، بل يشركهم فيها من عالم الشّهادة إخوانُهم من الإنس: ((مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)) (النّاس: 6). قال أبو ذرّ: أتيْتُ رسول الله -صلـى الله عليه وسلم- وهو في المسجد فجلست. فقال: “يا أبا ذرّ هل صلّيت؟”. قلت: لا. قال: “قم فصلّ”. قال: قمت فصلّيت ثمّ جلست فقال: “يا أبا ذرّ تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجنّ”. قال: فقلت يا رسول الله وللإنس شياطين؟ قال: “نعم”. (رواه أحمد).

كفّار الجنّ يوسوسون في قلوب الناس، وهذا ذكر مفهوم وأمر معلوم يجده كلّ إنسان في أسراره الخفيّة، ويشعر به كلّ من يهمّ بفعل شيء من السّـوء ثمّ يقاوم نفسه ليعرض عنه، ويرى آثار الوسوسة على تغيّر أحواله وفساد مزاجه وانحراف سلوكه.. وقد ساق لنا القرآن المجيد مثالا واضحا من آثار وسوسة الشّيطان لآدم –عليه السلام- وحواء –رضي الله عنها-، وكانت نتيجة الوسوسة مُكْلفة مروّعة رهيبة: ((يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ)) (الأعراف: 27).

–      عُرْيٌ حسيٌّ كامل تكشّفّتْ به العورات كيوم الولادة.

–      هبوط من تكريم علويّ إلى كدْحٍ سُفليّ.

–      اندلاع معركة عدوانيّة أعلنها إبليس على ذريّة آدم، يسخّر لها جميع ما أتيح له من كيْد، ويستعين بأتباعه وأنصاره وإخوانه وحزبه من بني البشر على إضلال ذريّة عدوّه.

هنا نفهم كيفيّة وسوسة الإنس إلى جنسهم من بني البشر. وندرك أنّ الشّيطان ليس اسمَ علم لإبليس أو لصنف من الجنّ الكافرين، إنما هو صفة لكلّ شرّير يتقصّد أذية غيره، فكلّ من بالغ في فعل المنكرات، ومرَد على إلحاق الأذى بمخلوقات الله، وصار الفساد له عادةً والشرّ له دينا، سُميّ شيطانا لاتّصافه بفعل “الشّيطنة” التي منها اللّعب على كلّ الحبال وجعلها وسيلة للاستقاء وللصيْد وللوقيعة بالطّريدة. مفردها شَطْن وجمعُها أشطانٌ، ولولاها ما نُزح من بئر ماءٌ. وفيها يقول عنترة العبسي في معلّقته الشّهيرة واصفا كثرة الرّماح في صدر حصانه كأشطان البئر.

لمّا رأيتُ القومَ أقبلَ جمْعُهـــمْ   *   يَتذامَـرُونَ كرّرْتُ غيْـرَ مُذَمَّــمِ

يدعـونَ عنْتَرةَ والرّماحُ كأنّها   *   أشْطانُ بئْــرٍ في لِبَـانِ الأدْهَـــمِ

فشياطينُ الإنس يدعون الناس إلى الشّرك وإلى الضّلال وعبادة الأصنام، ويدعونهم إلى معيّة الله –تعال-ى واتّباع الأهواء.. ولهم صوت مسموع يوحون به إلى من يركن إلى سماعهم وما يزخرفون من دين فيشوّشون قلبه بملوّثات السّمع وبما برعوا فيه من صناعة زخارف الأقوال؛ كالكذب، والنّميمة، والغيبة، وشهادة الزّور، وتتبّع العورات، وتيسير فعل المعصيّة وتزيينها، والتّهوين من غشيان الزّور واقتراف الفجور، والإرشاد إلى رفاق السّـوء وأوكار الفساد، وتزيين الشّهوة وليالي الهوى، والتّأمين على ارتكاب الفاحشة وحسْن خاتمتها.. وكلّ ما هو من غواية الشّياطين. فالوسائل متعدّدة والغاية واحدة: معصية الله.

مصدر الغوايتيْن مختلف بين شياطين الإنس والجنّ: فمصدر غواية شياطين الجنّ الوسوسة لأنّ حركتهم داخليّة، فهم يختبئون في أعماق النّفس البشريّة ـ أو في صدور الناس ـ ويحثّون صاحبها على فعل الشرّ أو التّفكير في فعله. أمّا شياطين الإنس فحركتهم خارجيّة مصدرها الغواية بالكلام، فهو نشاط مكمّل للوسوسة ومشجّع على الفعل ومزيّنٌ للنّهايات: ((يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا)) (الأنعام: 112)، ولو شاء ألاّ يفعلوا ما كان لهم أن يفعلوا لأنه لا سلطان لشياطين الجنّ على قلوب الناس. ولا سبيل لشياطين الإنس على جوارحهم. لكن مضت مشيئته –جلّ جلاله- بأن يوسوسوا ويضلّوا ويغووا ويُلبّسوا ما يُلبّسون على الدّين وأهله. فهم جزءٌ من قدر الله ومن مشيئته التي خلقها للابتلاء، ولن يخرجوا عن سلطان الخالق –جلّ جلاله- ولن يتخلّفوا عن جريان مشيئته في كونه.

وفي الدّعاء المأثور عن عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- أن رسول الله -صلـى الله عليه وسلم- قال: “ما أصاب أحد قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك. أسألك بكلّ اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري. وجلاء حزني وذهاب غمّي. أذهب الله حزنه وهمّه وأبدله مكانه فرحا”. (رواه رزين). والحمد لله الذي تجاوز، لهذه الأمّة، عن الخطأ والنّسيان وعن حديث النّفس، ما لم ينطق به اللّسان أو تسعى في إمضائه الأركان. فعن النبيّ -صلـى الله عليه وسلم- أنه قال: “إنّ الله -عز وجل- تجاوز لأمّتي عمّا حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تَكلّم به”. (رواه مسلم). وفي رواية البخاري عنه بلفظ: “.. ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تكلّم”. وفي رواية: “.. ما حدّثت به أنفسها ما لم يتكلّموا أو يعملوا به”. فما لم يركن إليه المرءُ أو يمضه شرًّا تجاوز الله عنه وستره عليه.

ومعركة الدّعوة ليست معزولة عن عالم الغيب وعن وسوسة الجنّ والشّياطين؛ فكما أنّ لها خصوما ظاهرين وأعداء بارزين في عالم الإنس، فإنّ لها خصوم خفاء في عالم الجنّ يروننا ولا نراهم، ويكيدون لنا ولا نحسب لهم حساب الكائدين، ويتربّصون بنا الدّوائر.. لكنّ الله –جلّ جلاله- كفانا كيدهم وأعطانا سلاحًا مضادّا لوسوساتهم وهمزهم: ((وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ)) (المؤمنون: 97)، فلا مفرّ من همزهم ولكنّ الفرار إلى لله منجاة منهم بالتعوّذ به من شرورهم وفجورهم وغرورهم.. والالتجاء إلى القادر على منع حدوث الأذى لمن لجأ إليه، والإقرارُ بضعف الإنسان وحاجته إلى ربّه: ((وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) (الأعراف: 200).

يُتبع…

مقالات ذات صلة