الرأي

تفسير سورة النّاس ..  الشرّ كامن في نفوس النّاس

أبو جرة سلطاني
  • 1412
  • 0

لا تُذكَر سورة الناس إلاّ مقرونة بأختها سورة الفلق، فهما صنوان لاشتراكهما في الغاية، وفي الموضوع، وفي حسْن الاستهلال بـ” قُلْ أَعُوذُ”. وفي التّحذير من شرّ ما خلق الله، ومن الوسواس الخنّاس.. قالت عائشة: إنّ النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بالمعوّذتيْن وينفِثُ. قالت: فلما اشتدّ وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده، رجاءَ بركتهما. قراءتهما تدفع الشرّ عن النّفس وتبرئ القلب من وساوس الشّياطين وتبعد عن الإنسان ما في خلق الله من شرور. وقد كان رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- يعوذ بهما سبطيْه الحسنَ والحسيْن ويزيد عنهما: “أعيذكما بكلمات الله التّامّة من كلّ شيطان وهامّة ومن كلّ عين لامّة”. وكلمات الله التّامّة ـ في الرّقية الشّرعيّة ـ هي كلّ ما أمر الله المؤمنين بذكره بنيّة طرد شرّ ما خلق. والقرآن كلّه شفاءٌ ورحمة للمؤمنين ووقايةً وعلاجًا وشفاء لما في الصّدور.

يكفي الالتجاء إلى ربّ الفلق لسدّ كلّ باب تهب منه رياح الشّرور الخارجية. بينما التعوّذ من الشرّ الدّاخلي الكامن في النّفس، أو الجاثم على القلب، يقتضي الالتجاء إلى ربّ الناس ملك الناس إله الناس. فعداوة الشّيطان للإنسان ليست طارئة على البشريّة، إنما هي قديمة قدم الإنسان نفسه؛ بدأت يوم أمر الله تعالى الملائكة بالسّجود لآدم –عليه السّلام-، فسجدوا إلاّ إبليس (عليه اللعنة) خالف أمر الله وفسق عنه بظنّ أنه أوْلى بالسّجود له من آدم معتقدا أنّ عنصره النّاري خير من عنصر الطّين، وهو “قياس عنصريّ” كلفه الطّرد من رحمة الله. ومن تلك اللّحظة بدأت العداوة.. وبدأت المعركة.. ولن تنتهي إلاّ بفناء الكون وقيام السّاعة والحشر والعرض والحساب والجزاء. فيكون الفرار إلى ربّ الناس أمانا من شرور الغيب: ((قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاس)) ( الناس: 1/3).

فهو ربّ. وملك ومالك. وإله. فربّ الناس هو ربّ العالمين يربّيهم ويدبّر أحوالهم. ومالك الناس وملكهم هو الخالق الوارث.. فالكون كلّه مملوك له، وما عند الناس عاريّة ستُردّ إلى مالكها الوارث يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسّموات. يوم ينادي الواحد في ملكه –جلّ جلاله- لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد. فيقول: “لله الواحد القهّار”. وإله الناس هو إله الكون معبود في الدنيا من الثّقلين الإنس والجنُ. ويُلحق بهذه المفاهيم الثّلاثة مفهوم الولاء والبراء على أساس أنّ ما ليس توحيدا فهو شرك. وما ليس حقّا فهو باطل.. وليس بعد الحقّ إلا الضلال.

في سورة الفلق جاء الأمر بالاستعاذة من شرور الخلق بالدّعوة إلى الاعتصام بالرّبوبيّة فحسب، لأنّ الربّ أكثر أنسًا للنّفس الخائفة من كلّ ما يروّعها من شرور تترصّدها من خارج تركيبتها وتكيد لها الشرّ وتدبّر لها الضرّ في ظلام الليل، وتعقد عُقد السّحر وتنفث فيها غلّها وحقدها وحسدها.. بعزيمة إلحاق الضرّ بالناس، وكلّها شرور سببها خارجي مفصول عن كينونة الإنسان. أما في هذه السّورة فالشّر ينبع من نّفس صاحبها، ومن وسوسة شيطان جاثم فيها، فالشرّ متحرّك داخل الصّدر. لذلك جاء الأمر بالالتجاء إلى الربّ الإله المالك ليوقن العائذ بالله أن الشيطان محاصر بقهر ربّ مالك إله: ((قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ)) (الناس: 1/3).

ساحة المعركة مع الشّيطان وحزبه داخليّة ولكنّها أوسع، وأعداء الدّاخل لا يكتفون بالأذى والسّحر والحسد فحسب، بل يبحثون عن تغيير ما بالقلب من عقيدة وإيمان وولاء وعزّة وإباء.. طمعا في الانحراف بالنّفس عن فطرتها، وسعيا للوقيعة بين الناس في الدّماء والأعراض والأموال.. وهو البرنامج الذي أعلن عنه إبليس -عليه اللعنة- لحظة تلقّيه أمر الله –جلّ جلاله- بالطّرد من رحمته في الدّنيا وتقرير إعلان خلوده في النار بعد البعث والحساب. فالفرق الجوهري بين ما في سورة الفلق وبين ما في سورة الناس هو معارك الخارج وشرورها ومعارك الدّاخل وغرورها، وهو فرق يشبه ما بين الأذى الذي يحسّه الإنسان من تمزّق عضلة خارجيّة وبين ألمه من نزيف داخلي يأتي على حياته جملةً واحدة، وقد لا يكون له ألم محسوس.

فتلك جراحات الوسوسة النّازفة داخل نفوس كثير من الناس، وهم عنها غافلون (جراح الغيبة وجراح النميمة وجراح شهادة الزّور والإفك والتّشهير وحصائد الألسنة… الخ). هي جراح داخلية لها نزيف طفيف قد لا يشعر المُصاب بخطره إلا عندما يكتشف أنه أصبح -بسبب النّزيف الإيماني-  عضوا في حزب الشّيطان استحوذ عليه في غفلة عن الحقّ وفي أفلة عن الذُكر فأنساه ذكر ربه فنسي نفسه فانسلخ عن آدميّته وأخلد إلى الأرض واتّبع هواه.

فالجراح الخارجية تُدبّر بليل ويتمّ إنفاذها في الظّلام، أو غيلة من وراء الظّهر، لذلك جاء أمر الله الموجّه للمؤمنين بالالتجاء إلى ربّ الفلق والتماس الوقاية منه من شرور واردة عليهم من خارج أنفسهم لكنّهم لا يرونها. وهو وحده القادر على معافاتهم منها ووقايتهم من شرّها ودفع ضرّها وشفائهم من نزْفها بكفّ شرورها ممّن خلق وحماية عباده الذّاكرين من دسيسة الظلام إذا استحكم، ومن نفث العقد، ومن شرّ الحسد.

أما في سورة الناس فجاء الأمرٌ بالفرار إلى ربّ الناس ملك الناس إله الناس من شرّ واحد داخلي ينفثه الوسواس الخنّاس في صدور الغافلين فيسبّب لهم “نزيفًا إيمانيّا” قد لا يقتلهم ولكنه ينهي فيهم أعظمَ نعَم الله عليهم بانتزاع صفاء العقيدة، توحيدًا وشرْعةً ومنهاجًا، فتصاب قلوبهم بداء الشّهوات وعقولهم بلوثة الشّبهات، وهما داءان قاتلان لا يفلت منه عاقبتهما إلاّ من وفّقه الله للفرار إليه، فهو في نجوة منهما وفي حماية مادام له ذاكرا.

أمر الله –جلّ جلاله- رسوله –صلّى الله عليه وسلّم- والمؤمنين بالمسارعة في طلب حمايته بصفاته الثلاث الربّ والملك المالك والإلـه من شرّ واحد ولكنّه شرٌّ مستطير: “مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ” (الناس: 4)، لأن في النّاس من يظنّ أنه ربّ!! فقطع الله طغيانه بتقرير أنّ ربّ النّاس جميعا هو الله. وفي الناس من يملك المال والجاه والشّوكة والصّولجان.. فيخال نفسه مالكا، فيردّه الله –جلّ جلاله- إلى جادّة عقله ببيان أنّ المالك الحقّ هو الله. وكلّ أملاك الناس راجعة إليه. وفي النّاس من يظن أنه معبود!! فبيّن الله له أنه لا وجود لمعبود سـواه. فربّ الناس هو ملكهم، ومالك الناس هو إلههم.

فمن ظنّ أنه مدبّرُ أحوالك فربّه الله. ومن كان مفاخرًا بملكه فالمالك الله. ومن كان مشركا بالذي خلقه ورزقه.. فالمعبود الحقّ هو الله. فلا مفرُ منه إلاّ إليه. وفي ملمح طريف دقيق، يرى صاحب “نفحات الرّحمـن: 538″، أنّ أوصاف الذّات الإلهيّة ترتّبت مضافة إلى الناس، فتدرّجت من الرّبوبيّة إلى الملكيّة إلى الإلهيّة.. وقد تضمّنت أسماء الله الحسنى كلّها، وأنّ ذلك التدرّج في ترتيب الصّفات الثّلاث لتناسب تدرّج الإنسان في أطوار سنّه، كما بيّنه ابن القيّم في تفسيره للمعوذتيْن؛ إذْ ناسب وصف الرّبوبيّة طور الطّفولة والصّبا لمًا في الوصف من معاني الرّعاية واللّطف والحنان. ووصْف الملكيّة يناسب طور الشّباب والكهولة للدّلالة على معنى القوّة والسّلطان. أمّا وصف الألوهيّة فيناسب طور الشّيخوخة والهرم لمًا يغلب فيه من التوجّه إلى الله بالتعبّد والطّاعة استعدادًا للقائه. أهـ.

قلت: إن الاستعاذة الصادقة بيقين طلاقة القدرة تحاصر المستعاذ منه بالرّبوبيّة والملكيّة والألوهيّة، فليس له إلاّ الخنس والتّواري والاختفاء.. إذا ذُكر المعبود –جلّ جلاله-. فالذّكر وقاية من سهام إبليس الجاثم على قلب ابن آدم، فإذا ذُكر الله خنس وإذا غُفل عن ذكره وسوس. قال أنس –رضي اللهُ عنه-: قال رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم-: “إنّ الشّيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله تعالى خنس. وإن نسيّ التقم قلبه فذلك الوسواس الخنّاس”.

وفي قول ابن عباس قال: قال رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم-: “ما من مولود إلاّ على قلبه الوسواس، فإذا عمل فذكر الله خنس، وإذا غفل وسوس”. وفي رواية: “الوسواس إذا وُلد (الإنسان) خنسه الشّيطان، فإذا ذُكر الله (عز ّوجل) ذهب. وإذا لم يُذكر الله ثبت على قلبه”. أنه أتى النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-، فقال: يا رسول الله إنّ الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءاتي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فقال رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم-: “ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا”. قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني. فتحصين النّفس بالذّكر كتحصين المقاتل نفسه بالدّروع السّابغة عند تقحّم ساح الوغى.

إذا امتلأ القلب باليقين ضاقت منافذ الشّيطان إليه، حتّى يتمّ سدّها في وجهه فيوسوس يائسًا كمن يرمي السّهام طيْشًا. والمؤمن يلتجئ إلى ربّه موقنا أنه حصنه القويّ من شر الجنّ ومن وسوسة الشّياطين ومن كلّ وسواس خنّاس. وأوّل ما يجب الاستعاذة بالله منه هو إبليس وذرّيته وما يصنعون من شرور: ((مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ)) (الناس: 4)، فالوسوسة ليست إيحاءً خفيّا للإزعاج وتنغيص العيش فحسب، وإنما هي إلقاءٌ خفيٌّ لخواطر السّـوء والشرّ والإغراء والإغواء والاحتناك والاستدراج الخبيث بالشّهوة والشّبهة للخروج عن دين الله واتّباع الهوى وسلوك سبيل ما تريده الشّياطين من معصيّة كيفما كانت.

وإضافة كلمة “الناس” إلى اسم الربّ والملك والإله في كلّ توجيه إلى الاستعاذة بالله من الشيطان الرّجيم، تتضمّن إشارتيْن لطيفتيْن في فهم معنى الاستعاذة.

يتبع…

مقالات ذات صلة