الجزائر
علم السموم يدخل عصر الذكاء الاصطناعي

تقنيات حديثة تكشف مواد سامة تعجز التحاليل التقليدية عن رصدها

نادية سليماني
  • 143
  • 0

لم يعد علم السموم مجرد تخصص طبي يقتصر دوره على التعامل مع حالات التسمم الحاد أو المساهمة في التحقيقات الجنائية، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى أحد أهم المجالات العلمية المرتبطة بحماية الصحة العمومية ومواجهة المخاطر البيئية المتزايدة. فمع الانتشار الواسع للمواد الكيميائية والمركبات الصناعية والمخدرات الاصطناعية، بات الأطباء والباحثون أمام تحديات جديدة تفرض الاعتماد على وسائل أكثر دقة وسرعة للكشف عن المواد السامة وفهم آثارها على جسم الإنسان.

وفي هذا الإطار، كشفت البروفيسور نسرين أبو رجال، رئيسة مصلحة علم السموم بالمركز الاستشفائي الجامعي لتلمسان، خلال مشاركتها في الملتقى العلمي “الابتكارات في الطب” المنعقد مؤخرا، عن التحولات العميقة التي يعرفها هذا التخصص الطبي، الذي أصبح يعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي والتحاليل الجينية.

السموم الحديثة تفرض تحديات غير مسبوقة

وأكدت المختصة أن التطور السريع الذي يشهده قطاع الصناعات الكيميائية والأدوية، إلى جانب ظهور أنواع جديدة من المخدرات الاصطناعية، جعل من الصعب على وسائل التحليل التقليدية مواكبة هذا التغير المتسارع.
ففي عدد من الحالات الاستعجالية، يصل المرضى إلى المستشفيات وهم يعانون أعراضا خطيرة، غير أن التحاليل المخبرية الروتينية لا تكشف عن وجود أي مادة سامة معروفة.

البروفيسور نسرين أبو رجال: نستقبل أحيانا مرضى بأعراض خطيرة لا تكشف تحاليلهم المخبرية الروتينية شيئا…!

ويرجع ذلك، بحسب المتحدثة، إلى أن العديد من المركبات الجديدة لا تزال خارج نطاق الفحوصات التقليدية، وهو ما يؤدي أحيانا إلى تأخر التشخيص واتخاذ القرار العلاجي المناسب، خاصة في الحالات الحرجة التي تتطلب تدخلا طبيا عاجلا.
وأوضحت، أن علم السموم التقليدي يواجه عدة قيود، من بينها طول مدة الحصول على النتائج، وتركيزه على البحث عن مواد معروفة مسبقا فقط، فضلا عن محدودية قدرته على تقييم التأثيرات المزمنة والتراكمية لبعض المواد الكيميائية التي يتعرض لها الإنسان على مدى سنوات طويلة.

ثلث الأمراض المزمنة مرتبط بالبيئة

وتكتسي هذه الإشكالات، بحسبها، أهمية خاصة في ظل تزايد المؤشرات العالمية التي تربط بين الأمراض المزمنة والتعرض المستمر للملوثات والمواد السامة. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو ثلث الأمراض المزمنة يرتبط بعوامل بيئية مختلفة.
كما تم التعرف على أكثر من 800 مادة معطلة للغدد الصماء موجودة في المحيط اليومي للإنسان، سواء في المنتجات الصناعية أو الغذائية أو مواد التنظيف ومستحضرات التجميل.
وقالت نسرين أبو رحال: “تثير هذه المواد مخاوف متزايدة بسبب قدرتها على التأثير في التوازن الهرموني للجسم، وما قد ينجر عنها من اضطرابات صحية معقدة”.
وفي السياق ذاته، سجلت الدراسات العلمية ارتفاعا ملحوظا في الأمراض المناعية الذاتية المرتبطة بالتعرض المستمر للملوثات الكيميائية، وهو ما يطرح تساؤلات جديدة حول تأثير البيئة الحديثة على صحة الإنسان.
وكشفت البروفيسور أنه من أبرز التطورات التي يعرفها هذا المجال، الاعتماد على تقنية “الكروماتوغرافيا السائلة المقترنة بمطيافية الكتلة الترادفية” التي أحدثت ثورة حقيقية في عالم التحاليل الطبية.
وتسمح هذه التقنية الحديثة بالكشف المتزامن عن أكثر من 500 مادة دوائية أو سامة داخل عينة بيولوجية واحدة، مع توفير نتائج دقيقة وفي وقت قصير، الأمر الذي يساعد الأطباء على اتخاذ قرارات علاجية سريعة، خاصة في أقسام الاستعجالات والعناية المركزة.
ولم يعد الهدف من هذه التحاليل يقتصر على تحديد المادة السامة فقط، بل امتد ليشمل فهم طريقة تأثيرها داخل الجسم، وقياس مدى خطورتها، ومتابعة تطور الحالة الصحية للمريض.

الإكسبوزوم… قراءة جديدة للعلاقة بين الإنسان وبيئته

ومن بين المفاهيم العلمية الحديثة التي بدأت تفرض نفسها بقوة في الأوساط الطبية، مفهوم “الإكسبوزوم”، الذي يهتم بدراسة جميع العوامل البيئية التي يتعرض لها الإنسان منذ ولادته وحتى نهاية حياته.
ويشمل هذا المفهوم التعرض للمبيدات الحشرية، والمعادن الثقيلة، وتلوث الهواء، والمواد الكيميائية الصناعية، إضافة إلى المركبات المعطلة للغدد الصماء. ويرى الباحثون أن تراكم هذه العوامل قد يساهم في ظهور العديد من الأمراض المزمنة، مثل السكري والعقم والربو وبعض الاضطرابات العصبية والمناعية.
كما أصبحت المختبرات الحديثة قادرة على قياس نسب التعرض لمواد كيميائية موجودة في المنتجات اليومية، على غرار الفثالات والبارابين المستعملتين في صناعة البلاستيك وبعض مستحضرات التجميل، وهما مادتان تخضعان حاليا لدراسات واسعة بسبب الاشتباه في ارتباطهما باضطرابات هرمونية ومشكلات في الخصوبة.

الطب الشخصي يغير مستقبل العلاج

وتم الكشف خلال الملتقى، عن التطورات اللافتة أيضا، ومنها بروز علم السموم الجينومي، الذي يربط بين الخصائص الوراثية للفرد وطريقة استجابته للأدوية والمواد الكيميائية.
ففي الوقت الذي يستجيب فيه بعض المرضى للعلاج بشكل طبيعي، قد يعاني آخرون من مضاعفات خطيرة نتيجة اختلافات جينية تؤثر في طريقة امتصاص الأدوية أو التخلص منها. ويسمح هذا التخصص بفهم هذه الفوارق، ما يفتح الباب أمام اعتماد علاجات مصممة خصيصا لكل مريض.
ويعول المختصون على هذه المقاربة الجديدة لتقليل الأخطاء العلاجية والحد من الآثار الجانبية، في إطار ما يعرف بالطب الشخصي أو الطب الدقيق.

الذكاء الاصطناعي يرسم ملامح المرحلة المقبلة

وبحسب الحاضرين، بات الذكاء الاصطناعي اليوم عنصرا أساسيا في تطوير علم السموم التحليلي، حيث أصبحت الخوارزميات الحديثة قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات والتنبؤ بدرجة سمية بعض المواد حتى قبل تصنيعها أو طرحها في الأسواق.
كما تساهم هذه الأنظمة الذكية في التعرف على المخدرات الاصطناعية الجديدة والمواد الكيميائية الناشئة التي يصعب كشفها بالوسائل التقليدية، فضلا عن تحسين دقة التشخيص وتوجيه الأطباء نحو الخيارات العلاجية الأكثر فعالية.
وخلص المشاركون في ملتقى “الابتكارات في الطب”، أن مستقبل علم السموم يتجه نحو مرحلة جديدة تقوم على دمج التكنولوجيا الحيوية والبيانات الجينية والذكاء الاصطناعي، بما يضمن تشخيصا أسرع وعلاجا أكثر دقة، ويعزز الوقاية من الأخطار الصحية المرتبطة بالمواد السامة التي أصبحت جزءا من الحياة اليومية المعاصرة.

مقالات ذات صلة