-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
ملف الذاكرة يعود للواجهة من جديد

باريس تعتبر المشاركة في تخليد مجزرة خطوة على الطريق

محمد مسلم
  • 408
  • 0
باريس تعتبر المشاركة في تخليد مجزرة خطوة على الطريق
ح.م

في ردّها على سؤال برلماني حول ما يسميه الفرنسيون “أحداث وهران” في الأيام الأولى للاستقلال، تحاشت وزيرة الجيوش الفرنسية وقدماء المحاربين، الانسياق وراء أجندة النائب اليميني المتطرف عن حزب التجمع الوطني، سيريل تريبياني، الحالم بأوهام “الجزائر الفرنسية”، ولكنها حاولت لفت الانتباه إلى أن فرنسا قدمت مبادرات على صعيد الذاكرة، وأنها تنتظر ما وصفتها “إيماءات” من الجانب الآخر.
وربطت هذه “الإيماءات” بالزيارة التي قادتها مؤخرا إلى الجزائر، وتنقلها إلى مدينة سطيف رفقة السفير الفرنسي، ستيفان روماتي، العائد إلى منصبه بعد أكثر من سنة من الغياب، من أجل المشاركة في تخليد ذكرى الثامن من ماي 1945، التي راح ضحيتها 45 ألف شهيد جزائري على يد جيش الاحتلال الفرنسي وقطعان المستوطنين.

قيطوني: فرنسا تدرك جيدا ما يتعين عليها فعله !

واتضح من خلال الجواب الكتابي، أن السلطات الفرنسية تعتبر هذه الزيارة، بمثابة خطوة فرنسية على صعيد ملف الذاكرة، وعليه ألمحت إلى أن السلطات الفرنسية تنتظر من نظيرتها الجزائرية خطوة أخرى، أو كما جاء في نص الجواب الذي نشر في الجريدة الرسمية للجمعية الوطنية الفرنسية (الغرفة السفلى للبرلمان)، في السابع من جويلية 2025: “..واستمرارا لنهج الحوار، مهما كانت صعوبته أحيانا، قام الوزير المنتدب لدى وزير القوات المسلحة وشؤون المحاربين القدامى بزيارة مدينة سطيف في 8 ماي. إن استمرار هذه الإيماءات الرمزية، التي يجب أن تقابل بالمثل لإطلاق حركة مصالحة حقيقية، هو أحد مفاتيح تجاوز “التأمل في الماضي” و”الابتعاد عن ذاكرة أصبحت سجناً في ماضٍ تُعاد فيه الصراعات الماضية باستمرار”.
ويفهم أيضا من محتوى الجواب أن فرنسا ممثلة في رئيسها إيمانويل ماكرون، الذي أعرب عن “عزمه على الشروع في عملية إحياء ملف الذاكرة، والبحث عن الحقيقة، والمصالحة مع الجزائر”، قام بمبادرات من قبيل تكليفه المؤرخ الفرنسي بنجامان ستورا بإعداد تقرير في عام 2021 عن الاستعمار الفرنسي للجزائر، ومشاركته في إطلاق لجنة مشتركة من المؤرخين الجزائريين والفرنسيين في عام 2022 لمناقشة قضايا الذاكرة التاريخية، ولكن هذه المبادرات لم تحدث خرقا في جدار هذا الملف الحساس.
بل إن الجانب الفرنسي سعى من خلال بعض القرارات إلى تمييع التعاطي مع ملف الذاكرة، عبر تجزئة الاعتراف ببعض الجرائم الفرنسية، من قبيل الاعتراف بجريمة الدولة الفرنسي في اغتيال الشهيد البطل العربي بن مهيد، وكذلك الشأن بالنسبة للشهيد علي بومنجل، والمناضل الفرنسي من أجل القضية الجزائري، موريس أودان، وهي خطوات قوبلت ببرودة من قبل الجانب الجزائري، الذي ينظر إلى قضية الاستعمار الفرنسي على أنها قضية شاملة غير قابلة للتجزئة، تمتد من سنة 1830 إلى 1962، وهو ما أكد عليه الرئيس عبد المجيد تبون، عندما اتفق رفقة نظيره الفرنسي، على إنشاء اللجنة المختلطة لبحث ملف الذاكرة، خلال زيارة ماكرون للجزائر في أوت 2022.
وهكذا تم تجاهل فظائع وقضايا تعتبرها الجزائر مصيرية من أجل تسوية ملف الذاكرة بشكل مشرف للطرفين، فلم تشمل قرارات الجانب الفرنسي فظائع ارتكبت منذ البدايات الأولى للاحتلال، مثل محرقة العوفية ومجازر الظهرة، والتجريد الممنهج للجزائريين من أراضيهم في خمسينيات القرن الأول من الاحتلال، وكذا إبادة قبائل بأكملها في الثورات الشعبية، والنفي إلى كاليدونيا الجديدة وكايان، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم، فضلا عن كونها جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية، بالإضافة إلى الاستمرار في تسليم الأرشيف المنهوب، وعدم التعاون في تنظيف الأماكن المتضررة من التفجيرات النووية وعدم تسليم خرائط دفن النفايات الكيميائية والنووية، وعدم تعويض ضحاياها.
وتعليقا على كلام وزير الجيوش الفرنسي، يؤكد المؤرخ والباحث في التاريخ الاستعماري، محسن قيطوني، أن مجرد انتقاد الاستعمار لا يعتبر خطوة أو مبادرة يمكن البناء عليها، لأن الاستعمار مدان حتى في مقررات هيئة الأمم المتحدة، كما قال في تواصل مع “الشروق”.
وأوضح قيطوني معلقا: “بعض الفرنسيين يعتبرون نقد الاستعمار مبادرة. هذا مشكل فرنسي ـ فرنسي بالدرجة الاولى، لأن الكثير من الفرنسيين اليوم هم من ابناء المستعمرات الفرنسية السابقة، ولذلك يعمد الفرنسيون إلى نقد الاستعمار بهدف المصالحة مع جزء من الشعب الفرنسي كان ولا يزال ضحية لهذه الظاهرة. ويمكن الإشارة هنا إلى السياسيين ذوي الخلفيات الإيديولوجية اليسارية”.
وأضاف المحلل : “الفرنسيون كثيرا ما يتهمون الجزائر باستعمال الذاكرة في النزاع السياسي مع فرنسا، ولكنهم ابطال في توظيف الذاكرة، من خلال سن القوانين ذات الصلة، وكذا تقنين الامتيازات المادية والمعنوية الموجهة لمن كان طرفا في صناعة الذاكرة”، مشيرا إلى أن الجزائريين “ليسوا بحاجة لموقف من الفرنسيين بخصوص الاستعمار، لأن الجزائر قامت بثورة يشهد عليها العالم، وقد نجحت في طرد المستعمر، وهذا مصدر شرف للجزائريين”.
وشدد قيطوني قائلا: “على فرنسا اذا أرادت الخلاص من ملف الاستعمار الاعتراف بجرائمها في الجزائر والاعتذار عنها، والجزائر غير معنية بأجندة باريس، بل وترفض أي إملاءات من الطرف الآخر، الذي يدرك جيدا ما عليه القيام به”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!