الجزائر
تساعد أخصائيي الأشعة مستقبلا على اكتشاف أورام الكبد

تقنية ثلاثية الأبعاد بالذكاء الاصطناعي تفتح آفاقا جديدة للتشخيص الطبي

مريم زكري
  • 110
  • 0
ح.م
تعبيرية

في وقت تتجه فيه العلوم الطبية نحو توسيع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية لتحسين دقة التشخيص والعلاج، تمكنت باحثة جزائرية متخصصة في الإعلام الآلي والتصوير الطبي من تطوير تقنية ثلاثية الأبعاد مبتكرة، تعتمد على المعلومات الطوبولوجية والذكاء الاصطناعي لتجزئة واستظهار الأوعية الدموية الكبدية انطلاقا من الصور الإشعاعية الطبية.
يأتي هذا الإنجاز العلمي بعد سنوات من البحث والعمل الأكاديمي، بهدف الوصول إلى طريقة أكثر دقة في قراءة الصور الطبية وفهم التشعبات المعقدة للأوعية داخل الكبد، بما يمكن أن يساعد الأطباء وأخصائيي الأشعة مستقبلا على اكتشاف الأورام والآفات الكبدية وتوصيفها بشكل أسرع وأكثر دقة.

وتقوم التقنية الجديدة بحسب ما كشفته الباحثة عفان عبير على نموذج مبتكر في مجال التعلم الطوبولوجي العميق ثلاثي الأبعاد، حيث لا يقتصر تحليل الصور الطبية على التعرف على الأشكال والأجسام الموجودة داخلها، وإنما يأخذ بعين الاعتبار طبيعة وترابط الهياكل وتفرعاتها، وهي خاصية بالغة الأهمية عند التعامل مع شبكة الأوعية الدموية الكبدية التي تتميز بتعقيد كبير وتشعبات دقيقة ومتداخلة.

وأوضحت المتحدثة لـ”الشروق”، وتعلق الأمر بالباحثة عبير عفان، المتحصلة على شهادة الدكتوراه في تخصص الإعلام الآلي والذكاء الاصطناعي في مجال الصورة الطبية من جامعة كليرمونت أوفرني بفرنسا، أن فكرة البحث انطلقت من الحاجة إلى تطوير وسيلة أكثر فعالية لاستظهار شبكة الأوعية الدموية الكبدية انطلاقا من صور الرنين المغناطيسي ثلاثية الأبعاد.

وأشارت المتحدثة إلى أن هذا النوع من الصور يحتوي على معلومات دقيقة وهامة، غير أن استخراج التفاصيل المتعلقة بالأوعية الدموية منها يظل مهمة معقدة، بالنظر إلى طبيعة الكبد وتركيبه التشريحي، فضلا عن صغر حجم عدد من الأوعية وتداخلها وتشعبها داخل النسيج الكبدي. ولذلك، ركزت أطروحتها على إيجاد طريقة قادرة على التعامل مع هذه التعقيدات، مع المحافظة على البنية الحقيقية للشبكة الوعائية في أثناء عملية التجزئة.

وأكدت عفان أن الهدف الأساسي من هذا العمل العلمي لم يكن مجرد تحسين الصورة الطبية من الناحية البصرية، وإنما الوصول إلى أداة دقيقة يمكن أن تقدم دعما حقيقيا للأطباء وأخصائيي الأشعة عند دراسة الحالات المرضية، خصوصا تلك المرتبطة بالأوعية الدموية والآفات الكبدية التي قد يصعب اكتشافها أو توصيفها بالوسائل التقليدية.

الذكاء الاصطناعي لمواجهة تعقيدات الأوعية

وتتمثل إحدى أبرز الصعوبات التي واجهت الباحثة خلال مسارها البحثي في الحجم الصغير جدا لبعض هياكل الأوعية الدموية الكبدية، إلى جانب الاختلاف الكبير في درجة التباين بين الصور الطبية والبيانات المستخدمة في التحليل، وهي عوامل قد تجعل عملية تحديد الأوعية وفصلها عن الأنسجة المحيطة بها أكثر صعوبة، خصوصا عندما تكون البنية الوعائية دقيقة أو متشعبة بشكل كبير.

ولمواجهة هذه التحديات، تم الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق، التي تسمح بمعالجة كميات كبيرة من البيانات الطبية بصورة آلية ومنظمة، واستخراج الأنماط التي يصعب أحيانا تحديدها بالطرق التقليدية. وبحسب المتحدثة، فإن هذه المقاربة تتيح الوصول إلى استظهار أكثر دقة للشبكة الوعائية، مع الحفاظ على طبيعة التشعبات والعلاقات بين مختلف الأوعية.

وتكمن أهمية إدماج المعلومات الطوبولوجية في أن الأوعية الدموية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد مناطق منفصلة داخل الصورة، إذ إن علاقتها ببعضها البعض، وطريقة اتصالها وتفرعها، تمثل جزءا أساسيا من المعلومة الطبية التي يحتاج إليها الطبيب. ومن هنا جاءت أهمية تطوير نموذج قادر على فهم هذه العلاقات والحفاظ عليها في أثناء عملية التجزئة.

تقنية قد تدعم الكشف المبكر عن الأورام

ولا تتوقف أهمية البحث عند حدود استظهار الأوعية الدموية، إذ يمكن لهذه التقنية أن تكون ذات قيمة في دراسة الأورام الكبدية وتحديد موقعها وعلاقتها بالبنية الوعائية المحيطة بها. فالفهم الدقيق لتوزيع الأوعية وتشعباتها يمكن أن يوفر للأطباء معلومات إضافية عند تحليل صور الكبد، ويساعدهم على تكوين رؤية أوضح حول طبيعة الآفة وموقعها.

ومن شأن هذه المعطيات أن تدعم عملية اتخاذ القرار الطبي، خاصة في الحالات التي تتطلب دقة كبيرة في تحديد طبيعة المرض أو اختيار طريقة العلاج المناسبة، كما أن تحسين جودة التجزئة الطبية قد يساهم في تقليص هامش الخطأ بين النتائج التي يتنبأ بها نموذج الذكاء الاصطناعي والبنية الوعائية الحقيقية الموجودة لدى المريض.

وتراهن الباحثة على أن هذا النوع من التقنيات يمكن أن يتطور مستقبلا ليصبح أداة مساعدة ضمن المنظومة الطبية، بحيث يعمل إلى جانب الطبيب وليس بديلا عنه، من خلال توفير معلومات دقيقة وسريعة تساعد في قراءة الصور واتخاذ القرارات السريرية على أساس معطيات أكثر وضوحا.

مرحلة جديدة في الطب الرقمي

وترى عبير عفان أن التطور المتسارع الذي يعرفه المجال الطبي على المستوى العالمي، والجزائر بشكل خاص، يؤكد أهمية الجمع بين الابتكار التكنولوجي والاحتياجات الحقيقية للميدان الصحي. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مقتصرا على المجالات الصناعية أو الرقمية، وإنما أصبح يدخل تدريجيا في صلب الممارسة الطبية، من خلال تحليل الصور، والمساعدة في اكتشاف الأمراض، وتطوير وسائل أكثر دقة لمتابعة المرضى.

وتؤكد أن التقنيات الحديثة يمكن أن تساهم في رفع كفاءة التشخيص والعلاج، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأمراض النادرة والمعقدة التي تتطلب وقتا وخبرة كبيرين للوصول إلى تشخيص دقيق، كما أن توفير أدوات رقمية قادرة على تحليل الصور الطبية بسرعة قد يساعد في تقليص الوقت اللازم أمام الطبيب للوصول إلى المعلومة المطلوبة.

مقالات ذات صلة