الجزائر
توصيات لإعادة الاعتبار للدعم المدرسي داخل المؤسسة العمومية

تقنين الدروس الخصوصية.. مقاربة جديدة لإنقاذ التلاميذ والأولياء!

مريم زكري
  • 3698
  • 0

تواصل ظاهرة الدروس الخصوصية إثارة الجدل منذ بداية الموسم الدراسي، فقد تحولت في نظر كثير من الأولياء إلى واقع مفروض على التلميذ حيث يقاس فيه النجاح بالقدرة على الدفع أكثر من التحصيل العلمي، وفيما يراها البعض ضرورة بيداغوجية لتدارك التعثر الدراسي، يعتبرها آخرون عبئ ثقيل أنهك ميزانية الأسرة وأربك مسار المدرسة العمومية.

أعاد الملتقى الوطني الرابع الذي نظمه الاتحاد الوطني لأولياء التلاميذ مؤخرا واحتضنته المكتبة الوطنية الموسوم بـ “المدرسة الجزائرية العمومية وظاهرة انتشار الدروس الخصوصية للدعم.. الأسباب والحلول”، الحديث عن هذه الظاهرة إلى الواجهة في ظل غياب التنظيم وتنامي الضغط النفسي على التلاميذ، حيث أجمع المشاركون بما فيهم المختصون في الشأن التربوي والأولياء، على ضرورة وضع مقاربة متوازنة لتنظيم دروس الدعم وجعلها أداة إنقاذ تربوي، بدلا من أن تتحول إلى سبب لإنهاك الأسرة والتفاوت المدرسي.

خارطة طريق جديدة لتنظيم نشاط الدروس الخصوصية

وخرج الملتقى الوطني بجملة من التوصيات العملية، التي تهدف إلى معالجة الأسباب العميقة  لانتشار الدروس الخصوصية، والبحث عن بدائل تربوية تضمن تكافؤ الفرص بين التلاميذ وتخفف الضغط عن الأسرة، أين أكد المشاركون على ضرورة تفعيل المنشور رقم 990 المؤرخ في 22 ديسمبر 2010، باعتباره إطارا تنظيميا يمكن أن يساهم في ضبط مسألة الدعم التربوي داخل المدرسة العمومية، كما دعوا إلى إنشاء مجلس متخصص يعنى بتقييم وغربلة المناهج والمقررات الدراسية، سواء من حيث حجم المحتوى أم مدى ملاءمته للعمر العقلي والنفسي للمتعلمين، قبل تعميمها على المؤسسات التربوية.

غربي عبد الناصر: تعزيز استراتيجية التفكير والتعلم لدى المتمدرسين

وشددت توصيات الملتقى على أهمية إعادة الاعتبار لدور المراقبة والتفتيش البيداغوجي، من خلال تكوين المفتشين وتثمين آليات المتابعة داخل المؤسسات التعليمية، إلى جانب التأكيد على الحاجة الملحة لتكثيف التكوين التربوي والنفسي للمعلمين، خاصة في مجالات الدعم التربوي، ومعالجة الصعوبات التعليمية والتقويمية داخل الأقسام.

وفي السياق ذاته، طالب المشاركون بإعادة النظر في آليات التقويم المستمر، ومراجعة شبكة التوقيت المدرسي بما يتناسب مع قدرات التلاميذ وحاجياتهم، مع الدعوة إلى إعادة فتح المدارس خارج أوقات الدراسة وأيام المناوبة، لتمكين التلاميذ من فضاءات للمراجعة والدراسة الفردية، بمساعدة متطوعين من الطلبة الجامعيين والمعلمين، كما كان معمولا به في وقت سابق.

كما أوصى الملتقى بتنظيم أيام تحسيسية دورية داخل المؤسسات التعليمية، لتوعية الأولياء بدورهم في مرافقة أبنائهم دراسيا، مع منح أولوية التوظيف في الطور الابتدائي لتخصصات علم النفس وعلوم التربية، بالنظر لأهمية البعد النفسي في العملية التعليمية، والدعوة إلى إنشاء قناة التربية الوطنية، لتكون مصدرا رسميا للمعلومة التربوية والتعليمية والإدارية، وفضاء للتوجيه والتنسيق، إلى جانب اقتراح إلغاء التقويم بالدرجات في الطور الابتدائي، وتعويضه بالتقويم بالملاحظة والمتابعة، بما يخدم مصلحة التلميذ ويعزز التعلم بدل الضغط والتصنيف.

تنظيم حصص استدراكية وغرف الدعم داخل المدرسة

وفي الموضوع، أكد الدكتور غربي عبد الناصر مختص في التربية، أن دروس الدعم والدروس الخصوصية يمكن أن تلعب دورا إيجابيا في الحد من التعثر الدراسي، شرط أن تقدم وفق ضوابط تربوية واضحة، وأوضح في حديثه لـ “الشروق”، أن الدروس الخصوصية تعد نشاط تعليمي موازي للتعليم المدرسي، يقدم بشكل فردي أو جماعي، غير أن الصيغة الفردية تبقى الأكثر نجاعة، خاصة عند التعامل مع التلاميذ الذين يعانون من صعوبات تعلم أو ضعف في الاستيعاب.

وأشار المتحدث إلى أن دروس الدعم يشمل أيضا معالجة الثغرات البيداغوجية، وتعزيز استراتيجيات التفكير والعمل لدى التلميذ، خاصة في الحالات التي يفهم فيها جزءا من الدرس بينما تضيع عليه أجزاء أخرى.

وشدد الدكتور غربي على أن الدعم الحقيقي يفترض أن يشرف عليه معلم القسم أو مرافق متخصص، خاصة بعد إدماج الأطفال ذوي صعوبات التعلم وذوي الإعاقة الذهنية البسيطة، وأطفال طيف التوحد في المدارس العادية، وأضاف أن الأصل في الدروس الخصوصية أن تنظم داخل المدرسة، من خلال الحصص الاستدراكية أو غرف الدعم، غير أن الواقع كشف عن أنماط أخرى خارج المؤسسة، سواء في المنازل أو المراكز الخاصة أو عبر المنصات الرقمية، الأمر الذي أصبح يتطلب بحسبه، تنظيم ومرافقة تربوية دقيقة.

وانتقد غربي لجوء الكثير من العائلات إلى الدعم قبيل الامتحانات فقط، معتبرا أن هذا الأسلوب يفقده قيمته التربوية، ويحوله إلى ضغط نفسي على التلميذ، قد يحرمه حتى من حقه في الراحة والعطلة.

كما أشار إلى أن الدروس الخصوصية رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون علاج لصعوبات التعلم، لأنها غالبا ما تركز على الحفظ والمحتوى الدراسي، دون تشخيص فعلي للصعوبات أو تنمية للعمليات المعرفية،مؤكدا على ضرورة مراجعة المناهج وطرق التدريس، وإعداد برامج علاجية فردية تراعي الفروق بين التلاميذ، مع إشراك الأسرة في العملية التربوية.

كلفة الدروس الخصوصية أصبحت عبئا ثقيلا على العائلات

من جهتها، أكدت عضو الاتحاد الوطني لأولياء التلاميذ بولاية بجاية سميرة هاين، أنه لابد من تسليط الضوء على انشغالات الأولياء في ما تعلق بظاهرة الدروس الخصوصية التي باتت تؤرق العائلات بشكل متزايد، قائلة إن الأولياء يعانون منذ سنوات من هذا المشكل عبر أجيال متعاقبة، من الجيل الأول إلى الجيل الثالث، دون التوصل إلى حل جذري ينهي هذه المعاناة، مشيرة إلى أن كلفة الدروس الخصوصية أصبحت عبئ ثقيلا على الكثير من العائلات، خاصة تلك التي لا تملك القدرة المادية على مجاراة هذا الواقع، ما ينعكس سلبا على تكافؤ الفرص بين التلاميذ.

وشددت المتحدثة على ضرورة توحيد الجهود بين الأولياء والهيئات التربوية والوصاية من أجل إيجاد حل منصف وعادل، بدلا أن يبقى الأولياء في سباق دائم لتوفير المال على حساب استقرار الأسرة ومستقبل الأبناء.

مقالات ذات صلة