الرأي

تكريمٌ بعد التكريم

في مساء يوم السبت الماضي (13- 12- 2025) شهدت قاعةُ المركز الثقافي الإسلامي بجامع الجزائر في حيِّ المحمّدية حفلا متميِّزا من حيث الحضور الذي ملأ القاعةَ الكبرى الرحيبة، ومن حيث نوعية هذا الحضور من علماء من شتّى التخصُّصات، وأساتذة، وأئمة، ومسئولين في مختلف الإدارات، ووسائل إعلام، وكثير من أخواتنا وبناتنا، وذلك لحضور تكريم عالمين من علماء الجزائر، بمنحهما “وسام العالم الجزائري”، الذي أسّسه منذ ستّة عشر عاما فتيةٌ ذوُو حزمٍ وعزم وعلم، فسدّوا ثغرة في هذا المجال الهامّ، وهو الاعترافُ بكفاءة علمائنا في مختلف الميادين وتقديرُهم على ما قدَّموه للعلم وللجزائر.

لقد كُرِّم في هذه السنة عالمان جزائريان هما الأستاذ الدكتور محمد بن سعيد شريفي، من مواليد مدينة القرارة في ولاية غرداية، والأستاذ الدكتور طيِّب حفصي من مدينة سعيدة.

لا أعرف الأستاذ الدكتور طيّب حفصي، لأنّ تخصُّصَه بعيدٌ عن اهتماماتي، ولوجوده منذ فترة في كندا، ولتقصير كثير من وسائلنا الإعلامية في التعريف بشُموسنا الشارقة التي تضيء وتنير كثيرا من بلدان العالم، واهتمام بعض هذه الوسائل الإعلامية بتلميع النَّكرات، وتسمين العِجاف، وتعسيل الحنظل…

وأمّا الأستاذُ الدكتور محمد شريفي فأنا أعرفه منذ ما يقرب الخمسين عاما، ومنذ عرفتُه لم يتغيّر، ولم يتسنّهْ، فهو كالمعدن الأصيل الذي لا يصيبه الصدأ، وقديما قال الشاعر:

إذا طاب أصلُ المرء طابت فروعُه    ومن خطإٍ جاد الشوكُ بالورد

وقد يخبث الفرعُ الذي طاب أصله   ليظهر صنعُ الله في العكس والطرد.

فالأستاذ الدكتور محمد شريفي هو نجلُ العالم العامل سعيد شريفي (عدون)، أحد جنود ربِّك في مقارعة الصليبية الفرنسية في الميدان الديني والتعليمي والصِّحافي، وهو المساعدُ الأبرز في مساندة الإمام إبراهيم بيّوض، وهو أحد مساندي المجاهد الصِّحافي أبي اليقظان، وهو شقيقُ أستاذنا اللغوي القدير بلحاج شريفي، وهو على مشارف القرن من عمره المديد إن لم يتجاوزه، وقد حقّق أقدمَ تفسير جزائري للقرآن الكريم، وهو تفسيرُ العالم هود بن محكَّم الهواري، في القرن الثالث الهجري.

لقد كُرِّم الأستاذ محمد شريفي عدة مرات في داخل الجزائر وخارجها، وهو عضوٌ في لجان علمية تحكيمية في ميدانه، وهو ميدانُ الخط العربي والزخرفة الإسلامية، وهما مما يرقّي حاسة الجمال لدى من يتخصّص في هذا الميدان.. وعندما يطّلع الإنسانُ على لوحات الأستاذ يُدرك براعته في هذا الميدان.

ومما أسفتُ له أن يستبدل من لا ذوقَ لهم بخطوط الأستاذ محمد شريفي في العملة الجزائرية خطوطًا تنفِّر الناظر، فكأنَّهم استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.

ولكنّ التكريم الأكبر الذي ناله الأستاذ محمد فهو ما ادّخره له الله –عزّ وجلّ- من خير، وما يسَّره له من عمل، وهو كتابة ستّة مصاحف كاملة وأجزاء متفرِّقة من القرآن الكريم (يُنظر: محمد شريفي: خطوط وذكريات. صص 34- 68).

هنيئًا للأستاذ محمد وصاحبه طيب، وشكرا للمشرفين على “مؤسسة العالم الجزائري”، وشكرًا لمن يمدّون هذه المؤسسة بالدعم المالي، وأدعو من استخلفهم اللهُ –عزّ وجلّ- في ماله، أن لا يبذّروا هذا المال في ما لا قيمة له، ولا نفعَ فيه، وقد يُلحِقهم بإخوان الشياطين.

مقالات ذات صلة