تلاعب في الوقت بدل الضائع
في الوقت الذي يشتدُّ فيه الخناق، دوليًّا، على الكيان وقادته، بعد صدور أمر الاعتقال في حقّ رئيس وزراء الكيان ووزير حربه السابق، وفي الوقت الذي يتجه فيه المشهد إلى اللعب في الوقت بدل الضائع، ويشتد فيه النزاع بين الغرب وروسيا بشأن أوكرانيا، إلى حد اختبار روسيا على أرض أوكرانيا صاروخا فرط صوتي، حاملا صواريخ تقليديه تحذيرية، وفي هذا الوقت أيضا، الذي تتأزم فيه الأوضاع مع إيران من خلال ضغوط الترويكا وأمريكا، التي ردّت عليها إيران بنصب أجهزة طرد مركزي جديدة أكثر حداثة وبنسبة تخصيب قد تزيد عن 60%.. ضمن هذا السياق الدولي الملتهب، يعمد الكيان إلى الدفع بكل ما يملك، وما عاد لا يملك، من أجل تحقيق انتصار صوري في لبنان، طمعا في الخروج منتصرا من هذا الوحل الجديد بعد غزة.
الجزائر التي كانت ولأكثر من مرة، منذ انتخابها عضوا ضمن الأعضاء الـ15 في مجلس الأمن، قد حاربت ديبلوماسيًّا على كل المستويات، من مجلس الأمن إلى الجمعية العامة إلى العلاقات الثنائية بين الدول الأعضاء، من أجل وقف إطلاق النار في غزة، لكون ذلك سيضمن توقُّف كل جبهات الإسناد، إلا أن هذه المساعي كلها اصطدمت بتعنُّت الإدارة الأمريكية التي كانت ترى نفسها هي مالكة مفاتيح الحل والربط في العالم، وأنها هي من تقرر تاريخ وطريقة إعلان وموافقة مجلس الأمن على ذلك.
مع ذلك، ومع الفيتو الأمريكي الذي اشتغل أكثر من مرة لرفض مبادرات الجزائر والدول العربية والإسلامية وروسيا، لم تتمكن الإدارة الأمريكية حتى من تطبيق قرار وقف إطلاق النار في غزة، كانت تركته يمرّ من دون فيتو، في وقت كانت تعتقد أن الصفقة باتت وشيكة. غير أنه سرعان ما اتضح أن تهرّب حكومة الكيان من إبرام الاتفاق، دفع مرة أخرى الإدارة الأمريكية إلى اعتبار قرار مجلس الأمن “غير ملزم”، مع أن كل قرارات مجلس الأمن ملزمة، إما تحت البند السادس أو السابع. والقصد، كان: غير ملزم لها، وأنها لن تنفذه. وهاهي مرة أخرى قبل أسبوع، تستعمل الفيتو مجددا ضد مشروع قرار مماثل شاركت فيه الجزائر وباقي الدول الصديقة، ووافق عليه الجميع إلا الفيتو الأمريكي.
بعد كل هذا، وبعدما تبقّى من أيام، قبل تسلُّم الإدارة الجمهورية للرئاسة في الولايات المتحدة في 20 يناير 2025، بات اللعب في الوقت بدل الضائع، شبيها باللعب على شفا الهاوية، وفي كل المناطق المشتعلة في العالم، لاسيما في أوكرانيا وإيران وغزة، أما لبنان، فتريد الإدارة الحالية أن تجد مخرجا للمأزق الذي يعيشه الكيان، والوحل الذي يغرق فيه. الجبهة الوحيدة التي يبدو أن الإدارة الديمقراطية، مع ما تبقى لها من أيام، وأمام الخراب السياسي والاقتصادي والأمني الذي قد يطال الكيان بفعل قوة المقاومة المتنامي، حتى مع الضربات المؤلمة التي تلقّتها عند بداية العدوان، وكل يوم على الساحة المدنية والحاضنة الشعبية، تبادر لإنقاذ سفينة الكيان من الغرق في الوحل المتحرك، فيما تعمل على تكريس أمر واقع معقد أمام الإدارة المقبلة بشأن أوكرانيا، التي وعد ترمب بأنه سيجد لها حلا عاجلا عند انتخابه رئيسا من جديد، وهذا ما تخشاه الإدارة الديمقراطية والغرب الأوروبي: أن ينقطع العون وتقع الصفقة على حساب أوكرانيا. نفس ما يراه الغرب الأوروبي، لهذا نراه يضاعف مساعدة أوكرانيا بالصواريخ بعيدة المدى، لاسيما الفرنسية “سكالب” والبريطانية “ستروم شادو”، بالإضافة إلى الأمريكية “أتاكامس” 300 كلم.