تلاميذ يخلطون بين الإنجليزية والفرنسية !
بعد عامين من قرار إدراج اللغة الإنجليزية في الطور الابتدائي، يرى مختصون أنه قد حان الوقت للاستغناء نهائيا عن اللغة الفرنسية بهذا الطور، خاصة بعد اصطدام التلاميذ بصعوبات إدراكية، أثناء الجمع بين المادتين في وقت واحد، وهو الأمر الذي أرجعه المختصون إلى تشابه الحروف والمصطلحات، وأدى بالتلاميذ إلى الإجابة بالإنجليزية في امتحان الفرنسية والخلط بين اللغتين، وشكّل صعوبة للأساتذة في التعامل مع هذا الواقع الجديد.
وكشف مختصون في حديثهم لـ”الشروق”، أن هذا الخلل سبّب نوعا من الامتعاض لدى الأولياء، وأجبر الأساتذة على بذل جهود مضاعفة أكثر من السابق، خاصة بعد تلقيهم ملاحظات من قبل أولياء التلاميذ ومطالبتهم بإعادة النظر في كيفية برمجة الحصص الدراسية لما يتناسب مع قدرات التلميذ.
خلط بين اللغتين في المراجعة !
وفي هذا السياق، أكد عضو المكتب الوطني للاتحاد الوطني لأولياء التلاميذ، عز الدين زروق، لـ”الشروق”، أن عددا من أولياء التلاميذ والمربين لاحظوا، منذ بداية السنة الدراسية، حدوث خلط لدى التلاميذ خلال الحصص الخاصة بكل لغة، بعد توظيف حروف ومصطلحات اللغة الإنجليزية في حصة اللغة الفرنسية، أو خلال المراجعة بالمنزل أو العكس.
وكشف زروق عن تلقيه عدة شكاوى بهذا الخصوص من قبل أولياء التلاميذ، استدعى الأمر حينها تبليغ المصالح المعنية التي اتخذت بدورها إجراءاتها واحتياطاتها الخاصة بإعادة توزيع الحصص للمادتين، نزولا عند رغبات الأولياء والمدرسين، من خلال برمجة المادتين خلال فترات متباعدة.
وتأسف المتحدث قائلا: “رغم تلك الإجراءات، لا يزال المشكل قائما حاليا، بشهادة الأساتذة أنفسهم بعدما وجد التلميذ نفسه يدرس مادة صباحا وأخرى تناقضها مساءً”.
وأشار زروق إلى وجود دراسات علمية من قبل خبراء التربية واللغة تشير إلى أن التلميذ بالصف الابتدائي بإمكانه تعلم خمس لغات وإتقانها بشكل جيّد في وقت واحد، مضيفا أن المشكل لا يكمن في عدد المواد، بل في كيفية تناولها وتدريسها، حسبه، وأن حداثة تكوين المدرسين والمشرفين على المهنة تلعب دورا مهما في نجاح التجربة بتدريس لغتين أو أكثر في وقت واحد.
وبخصوص تقييمه للتجربة بعد سنتين من اتخاذ القرار، أكد المتحدث أنها تجربة “لها وعليها” من سلبيات أو إيجابيات، مطالبا بتدارك النقائص وإعادة النظر في كيفية برمجة الحصص للغتين، لما يتناسب مع قدرات التلميذ، ويتيح له استيعاب أكبر للدروس، بزيادة الحجم الساعي للغة الإنجليزية، باعتبارها اللغة العالمية الأولى.
تلاميذ ينادون على أستاذ الفرنسية بالإنجليزية
من جهته، قال أستاذ اللغة الفرنسية بمدرسة “عزة عبد القادر” بوهران، محمد أمين، إنه بعد إدراج الإنجليزية السنة الماضية كمادة في قسم السنة الثالثة ابتدائي، حدث نوع من الخلل لدى البعض، فمثلا أصبح التلاميذ ينادونه بـ”مسيتر” بدلا من “موسيو”، والعكس صحيح لدى أستاذ الإنجليزية، مضيفا أنه بمرور الوقت، تعوّد التلاميذ على التحكم في استخدامهم للغة الأجنبية، وتلعب خبرة الأستاذ دورا مهما في ذلك.
وأشار محمد أمين إلى إشكالية عدم إتقان أولياء الأمور للغة الإنجليزية، حيث وجدوا صعوبات كبيرة في القيام بالمراجعة المنزلية لأبنائهم، عكس اللغة الفرنسية التي يتقنها معظمهم بشكل أكبر، لكن الشيء الذي بسّط الأمور نسبيا هو أن الدروس المقدّمة لتلاميذ السنة الثالثة يمكن استيعابها وليست معقدة مقارنة بأقسام السنة الرابعة.
وتوقّع المتحدث وجود صعوبات خلال السنة الدراسية المقبلة، باعتبار أن الإنجليزية ستكون مدرجة في قسم السنة الخامسة، وستمتحن إلى جانب باقي المواد الأخرى في امتحان تقييم المكتسبات.
واعتبر محمد أمين، أن الحجم الساعي المخصص للإنجليزية أقل نسبيا من المخصص للفرنسية، وعليه، فإن درجة فقدان التركيز لدى التلاميذ والخلط بين اللغتين، قد يتحسّن تدريجيا مع مرور الأسابيع الأولى من تعلمهم للغة الإنجليزية.
وفي ذات السياق، تحدثت أستاذة الفرنسية، بابتدائية “الشهيد عبد القادر” بدرقانة، سارة سحنون، عن تجربتها الميدانية داخل حجرات التدريس، كاشفة عن التغيير الذي طرأ على قدرات تلاميذها بعد إدراج اللغة الإنجليزية بالطور الابتدائي، بحدوث نوع من الفوضى الناجمة عن الخلط بين المصطلحات، واستعمال عفوي للتلاميذ كلمات باللغة الإنجليزية بدل الفرنسية، خاصة الحروف التي تتشابه معظمها من حيث النطق.
وأكدت سحنون لـ”الشروق”، أن الأمر تسبّب في خلل لدى التلاميذ، ورغم اتخاذ قرار من قبل الوزارة يقضي ببرمجة مادة واحدة يوميا، لا يزال الوضع كما هو، حسب المتحدثة.
وأكدت أستاذة الفرنسية، أن زملاءها هم أكثر من يشتكي من المشكل الذي أثار امتعاضهم الشديد، حيث اصطدم معظمهم خلال إلقاء الدرس بالحصة بتوظيف تلاميذهم لمصطلحات ونطقهم حروفا باللغة الإنجليزية، وهو ما عقّد من مهمة شرح الدروس.
وعبّرت الأستاذة بالقول إن “الأمر أصبح يزعجنا ويزعج الأولياء أيضا، وخلّف نوعا من الفوضى بالأقسام، كما اضطر الأساتذة لبذل جهود مضاعفة عكس السابق”.
تحصيل جيّد للتلاميذ في الإنجليزية
ومن جهتها، أكدت أستاذة لغة إنجليزية في ابتدائية حي فتال بالبليدة، أن علامات أغلب تلاميذها جاءت أحسن من الفرنسية، وأن تلاميذها استحسنوا تعلم الإنجليزية لسهولتها مقارنة بالفرنسية واعتمادها أكثر على النصوص المصورة والمحادثات التفاعلية وشرح مبسّط للقواعد وحفظ الحروف، قائلة: “المستقبل سيكون في الجزائر للإنجليزية، باعتبارها لغة العلم والتقدم وهي محببة لدى التلاميذ”.
دعوة إلى جعل الفرنسية لغة اختيارية
وفي هذا السياق، اعتبر عضو لجنة التربية والتعليم بالبرلمان سابقا، مسعود عمراوي، أن اللغة الإنجليزية هي لغة العلم والتكنولوجيا، كما أنها منافس قوي وحقيقي للغة الفرنسية، واستدل المتحدث بتصريح رسمي سابق للوزير بلعابد الذي كشف مؤخرا أن ما نسبته 85 بالمائة من التلاميذ تفوقوا في اللغة الإنجليزية، إلى جانب لمس نوع من الاستحسان لدى الأولياء بعد إدراج الإنجليزية بالطور الابتدائي.
وعاد عمراوي للحديث عن اللغة الفرنسية قائلا، إنها لغة ميتة وبدأت في “الانكماش”، مثلما حدث في بعض الدول بأدغال إفريقيا التي تحاول التخلي عنها تدريجيا، مطالبا بالعدل في توزيع عدد الحصص والحجم الساعي الخاص بكل مادة، وذلك من باب الإنصاف ومصلحة الوطن.
واقترح النقابي، في حديثه مع “الشروق”، برمجة اللغة الفرنسية بالطور الابتدائي بطريقة اختيارية، بدلا من فرضها على التلاميذ، متوقعا أن يكون قرار الاختيار في حال إجراء استبيان خاص للجزائريين لصالح الإنجليزية في تدريس أبنائهم.