الرأي

تلك أمانيهم.. سورية لن ترحل

صالح عوض
  • 3009
  • 0

بوتين بإعلانه عن انسحاب فوري لقواته الرئيسية في سورية، فاجأ الجميع ممن يحسنون أو يسيئون الظن في الموقف الروسي.. وفور إعلان الرئيس الروسي هذا، بدأت القوات الروسية تحزم عتادها وتستقلّ طائرات النقل إلى قواعدها الأصلية.. وانهمرت التحليلات السياسية والخبرية مفسّرة ومشكّكة في الخطوة الروسية، وذهب الاعتقاد بالبعض أن هذه الخطوة انتصار كبير للقرار الغربي بتقسيم سورية، وانتصار العنف المسلح بالجريمة.

وهنا لا بد من بسط الأمر بهدوء.. عندما استنجد النظام السوري بروسيا، إنما تحرَّك مزودا بنقاط قوة جعلت من تقدم روسيا إلى المهمة فرصة يمنحها النظام السوري لكي تتمكن روسيا من تحقيق مهمتين استراتيجيتين، أولاهما: القيام بعمليةٍ وقائية للقضاء على المجموعات المسلحة الشيشانية والداغستانية وسواها من تلك المجموعات التي تستهدف وحدة روسيا وأمنها.. فكانت فرصة لكي تنقضّ روسيا للقضاء على تلك الجماعات وبعثرتها ولكن على غير أرضها.. ثانيتهما: محافظة روسيا على مصالحها الحيوية والاستراتيجية، ليس فقط قواعدها العسكرية الموجودة ببحر اللاذقية، وإنما أيضا ببقاء أسعار الغاز في مأمن من سطو الأمريكان والقطريين.. كذلك، فإن هناك عدة أهداف استراتيجية على رأسها عودة روسيا دولة قطبية على المستوى الدولي، وأن يكون لها دور في القضايا العالمية، لاسيما قضايا الوطن العربي الغارقة في التعقيد.

إذن، تدخّل القوات الروسية جاء وفق مصالح روسية استراتيجية وبتوافقات مع الأمريكان عميقة، بل وحتى بتفاهمات بين روسيا والكيان الصهيوني فيما يتعلق بمجال عمليات الطيران الحربي الروسي.. الأمر الذي فسّر قيام الطيران الإسرائيلي بقتل القنطار عندما كان القنطار يحاول تشكيل مجموعات المقاومة في الجولان.. وقد تمّت العملية فيما كانت روسيا تقول إن الجو السوري كله تحت الرقابة الروسية وتحت رحمة الصواريخ آس 400.

من هنا كان السوريون على فهم بما يريد الروس، وإلى أي نقطة سيقفون، أو بالأحرى إلى أي نقطة ستوقفهم القيادة السورية.. فلئن جاءت القوات الروسية لتقدِّم مساعدات جوهرية للدولة السورية حتى تستعيد قراها ومدنها من “داعش” و”النصرة”، فهي جاءت أيضا للقضاء على المجموعات التي تشكل حاضنة خطيرة للمجموعات الروسية المسلحة، وقد جاء على لسان المتحدث باسم القوات الروسية أنهم تمكنوا من القضاء على ألفيْ مقاتل روسي مع المجموعات المسلحة.. فإن سوريا تقبل بهذا الدور المحدود الذي يكشف أهمية التحالف بين البلدين حول مسألة محددة.. ولكنها لا يمكن أن تقبل بتمدد هذا الدور إلى جوانب سيادية تُفقِد البلاد ممانعتها وتحكّمها بملفاتها الوطنية.

آلاف الكيلومترات ونحو 400 بلدة وقرية ومجمّع سكني استطاع الجيش السوري استعادتها بفضل 9 آلاف غارة للطيران الروسي الذي تمكّن من إيقاف الإمدادات للمجموعات المسلحة.. وإيقاف التغوّل التركي عبر الحدود.. وإفشال مخططات عديدة أهمها التدخل الأجنبي المسلح ضد الدولة السورية. وهذا جعل الموقف السوري أكثر طمأنينة واقتدارا فيما أصاب تفكك المعسكر المناوئ في قطر التي نأت بنفسها تدريجيا، وتركيا التي انتقل الإرهاب إلى مدنها وتعيش حالة جفاء مع الجار الروسي والأصدقاء الأوربيين والأمريكان.

تحاول أمريكا فرض واقع تقاسم النفوذ والمنافع في المنطقة بين اللاعبين الأساسيين لكي يحافظوا بذلك على روح الصراع والتنازع في المنطقة.. من هنا تحاول الإدارة الأمريكية فرض تسوية سياسية في سورية تحفظ حالة توازن القلق والرعب بين الأطراف.. وهذا بالنسبة إلى الأمريكان ضمانة استقرار المنطقة وابتعادها عن خط المقاومة والتصدي لإسرائيل.. وبالنظر إلى نتائج الحرب في سورية، يمكن تأكيد أن سورية تخرج منها منهَكة مكسرة تحتاج عشرات السنين لتعود إلى وضعها قبل الحرب..

سورية لم ولن تتبخّر، وهي الآن في أحسن وضع لها منذ ثلاث سنوات، وهي الأقوى ميدانيا، وهي سائرة بالتأكيد إلى تنظيف المشهد وفرض أجندتها السياسية بما فيها من انتخابات محلية وبرلمانية.. والعقيدة السياسية للسوريين لن تقبل أن تتحوّل بلادهم إلى مرتع للآخرين؛ فهم لهم خطّهم السياسي الواضح، ولئن قبلوا مساعداتٍ من أحد، فلأنهم يعرفون أن لهذا “الأحد” مصالح استراتيجية أيضاً.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة