تمطر في مالي والاضطرابات بعين أمناس؟!
يبدو أن تفاعلات الأزمة المالية، وامتداد ترددات التدخل الفرنسي بمالي، وصلت إلى عمق الجزائر، فالتدخل الأمني كان الحل الوحيد، أمام “هول” الاحتجاز والاختطاف للرهائن بالجزائر، أما “الكل الأمني” فهو نهاية وبداية للمسلسل “المالي” وتردداته وخطاب مشفر لمن يهمه الأمر لأي عملية من نفس النوع، فالجزائر قد تلجأ للغة القوة في أي حدث مماثل، لا قدر الله، مستقبلاً .
ويبدو أن التردد، وتخبط العواصم الغربية، بدأ يتبدد مع مرور أيام الاحتجاز، بهول الحادثة، والأسلحة المهربة والمستعملة، وتصميم الإرهابيين في إحداث استعراض إعلامي واستغلال واستخدام الحدث للإبتزاز السياسي والتركيع.
فالتدخل الفرنسي ً بمالي مع تأثيراته السياسية، وإنعكاساته الجيوستراتيجية، والسياسة الفرنسية المفاجئة بإستعمال القوة كل هذه كانت توابل بإمتياز، لهذه العملية الإرهابية، والتي أجهضت العملية التفاوضية سواء التي كانت تقودها بعض الدول المحورية بالساحل، أو كانت تقودها بعض الأطراف الفعالة داخل مالي، وبالأخص المجلس الإسلامي الأعلى، ولا ننسى أن مشكل مالي لم يكون وليد للحظة، بقدر ما عرفت المنطقة العديد من الانتفاضات والثورات، أولها من طرف التوارڤ، لإحساسهم بالظلم، وعدم المساواة مع بداية التأسيس للجمهورية المالية سنة 1963 ـ 1964، ثم عرفت انتفاضة ثانية، واضطرابات في التسعينات، بإيعاز من الجماهيرية أنذاك ـ رحمكم الله ـ وقد زادت حدتها مع الأزمة الغذائية والجفاف، وأدت هذه الانتفاضة الثانية الى تأسيس بعض المؤسسات التمويه في الشمال مرتبطة برئاسة الجمهورية المالية، والاهتمام بسياسات اللامركزية، إلا أن الحلول آنذاك كانت حلول على شاكلة التخفيف من الآلم بقدر ما تجفيف مصدر الألم بطرق جذرية!!، مما دفع للانتفاضة ثالثة سنة 2006 إلى غاية 2008، مع تدخل سافر للعقيد القدافي، ومحاولته لإحياء نعرات قبلية، فأصبحت شمال مالي محل تحديات جيوسياسية، وآخر انتفاضة كانت سنة 2012 مع الربيع العربي، وتغييرات الخريطة السياسية والفراغ الذي أحدثه ليبيا سواء بالإستقطاب أو الفراغات الأمنية، وانتشار السلاح، وعدم وجود حدود آمنة، وإزدياد النعرات والفوارق الاجتماعية والمؤساسية بين الشمال والجنوب، كلها عجلت لهذه “الحرب” مع دخول أطراف أخرى، غير “الأزواد” فهذه الأطراف الجديدة محسوبة على “القاعدة” مما جعل المنطقة حساسة، وتحتاج لمعالجة مدروسة، ومنهجية مضبوطة مبنية على التوزيع العادل للثروات، والمواطنة الغير المنقوصة المبنية على المساوات “التامة” بين سكان الشمال والجنوب، سواء على مستوى توزيع الثروات أو التواجد المؤسسي.
فالأزمة المالية أزمة لها جذور تاريخية، ولكن البعض حاول تدويلها بحكم المجال الحيوي وما تحتاجه اقتصاديته، وعليه لا يمكن أن تكون حلول مالي مستوردة من الخارج، أو على دبابات قوات شرق أفريقيا، أو من خلال اجتياح عسكري، فكلها مسكنات بقدر ما تكون حلول تعالج طموحات سكان الشمال، معالجة شاملة، وليست أمنية فقط، لذلك على الكل أن يعي أن الأزمة المالية قد تنعكس على العديد من التوازنات الإقليمية، إن لم تكون معالجة موزونة وجذرية.