تهاون واحتيال وراء “فاسد فود” يسوق الناس إلى المستشفيات والمقابر
مازالت حادثة وفاة طفل بسطيف لتناوله وجبة “شاباتي”، فاسدة، خلال الأسبوع الماضي، تثير ردود أفعال واسعة، رافقتها تساؤلات حول أكل المطاعم وخطورته، وما تخفيه خلفيات هذه المحلات المتهمة بقتل الناس، بسبب الاحتيال والتهاون والبحث عن الربح السريع، على حساب الصحة العمومية خاصة في هذه الأيام الحارة جدا، التي أعادت إلى الأذهان حوادث مماثلة فتكت بالناس، وزعزعت العائلات المطمئنة في بيوتها. وأخطر ما في القضية أنها تبدأ بقطعة فاسدة وتنتهي بفساد في الأرض وإزهاق روح لم تفهم بأي ذنب قتلت.
تيم وآخرون!
هي حال الطفل تيم عليوس، البالغ من العمر 14 سنة، الذي حيّرت قصته كل الناس، بعدما أضحى اليوم في عداد الموتى لأنه اشتهى ما يسمى بشطيرة “شاباتي” وكان برفقة والده، فوقعت عيناه على محل للأكل السريع بسطيف، دخله وهو لا يعلم بأنه يساق إلى الموت. بكل بساطة كان ضمن المجموعة التي أصيبت بتسمم غذائي بعد تناول “الشاباتي” الملعونة بمحل للأكل السريع بحي عين موس بسطيف، ونقل إلى المستشفى رفقة باقي المصابين.. لكن حالته كانت متدهورة وخطيرة للغاية، حيث كان يعاني من صعوبة في التنفس. ورغم تلقيه للعلاج، لم يعرف أي تحسّن، واضطر الطاقم الطبي إلى إحالته على غرفة الإنعاش، أين خضع للعناية الطبية المركزة لمدة 10 أيام، ليفارق بعدها الحياة مخلّفا حيرة كبيرة وسط عائلته التي ظلت تحت الصدمة، ولم تتوقع هذه النهاية المأساوية لابنها الصغير.
وأثارت الحادثة ردود أفعال واسعة حول مصير صاحب محل “الشاباتي”، الذي صدر ضده أمر بالغلق من طرف مصالح مديرية التجارة، وأحيل ملفه على التحقيق بتهمة بيع وجبة غير صالحة للاستهلاك، لكن بعد تغيّر المعطيات، من المنتظر، أن يتم تكييف القضية على أساس القتل غير العمدي. وبالتالي، ستأخذ أبعادا أخرى، خاصة بعد إلحاح أهل الضحية وإصرارهم على ضرورة متابعة صاحب المحل لينال جزاءه نتيجة هذا التهاون، الذي كان سببا في وفاة طفل بريء ذنبه الوحيد أنه أكل وجبة يعشقها الأطفال والشباب.
يذكر، أن حادثة التسمم وقعت بتاريخ 15 جويلية 2024، وكانت وراء إصابة 31 شخصا بتسمم غذائي، وذلك ما أكده الدكتور مراد صانة، مدير الصحة لولاية سطيف بالنيابة، الذي صرح بأن مصلحة الاستعجالات بمستشفى “سعادنة عبد النور” بسطيف استقبلت في البداية 7 حالات منهم 3 أطفال، ثم اتسعت دائرة المصابين الذين جاؤوا من عاصمة الولاية ومن بلدية عين عباسة، حيث ظهرت عليهم نفس أعراض التسمم. وقامت المصالح الاستشفائية بالتكفل بهم طبيا، وغادروا جميعا المستشفى إلا حالتين، ويتعلق الأمر بالطفل الضحية الذي أرغمته الإصابة على دخول قاعة الإنعاش، أين خضع للعناية الطبية الفائقة رفقة والده المصاب أيضا.
المتهم “شاباتي” وصاحب المطعم
وكانت التحقيقات الميدانية التي أجريت من طرف مكتب الصحة لبلدية سطيف رفقة مصالح مديرية التجارة، قد أثبتت أن الأمر يتعلق بتسمم غذائي بسبب تناول وجبة “شاباتي” بمطعم يقع بحي موس، الذي تم إخضاعه للمعاينة مع إجراء تحقيقات وبائية داخل المحل، وأخذ عينات من المواد التي يستعملها صاحب المطعم لإخضاعها للتحاليل، وتم على إثرها إصدار أمر بغلق المطعم.
ومن ساعتها، دعت المصالح الطبية كل الأشخاص الذين تناولوا طعاما بالمحل المذكور، واشتكوا من آلام في البطن إلى أن يلتحقوا بأقرب مركز صحي للخضوع للعلاج.
للإشارة، شطيرة “شاباتي” وجبة تونسية الأصل، انتقلت في السنوات الأخيرة إلى الجزائر بفضل طباخين تونسيين فتحوا محلات بعدة مناطق، خاصة بشرق البلاد، ثم نقلها عنهم طباخون جزائريون، وانتشرت الوجبة في عدة ولايات وأصبحت تحظى بشعبية كبيرة. وهي عبارة عن شطيرة محشية بالبيض ولحم الدجاج والكبد تضاف إليها مادة المايونيز، وكلها مواد حساسة معروفة بسرعة تلفها خاصة في فصل الصيف.
الأكل سريع والقتل أسرع
في خلفيات لا يشاهدها المستهلكون، فإن حادثة مقتل الطفل تيم، فتحت النار على أصحاب الوجبات السريعة، وأدخلتهم بسرعة إلى قفص الاتهام، فهم الذين لا يحترمون شروط النظافة وآخر من يفكر في الحفاظ على الصحة العمومية، فزيارة خاطفة لهذه المحلات تسمح لك باكتشاف العجب العجاب مع الوجبات التي لا تخضع لأي ضابط وتُحضّر في ظروف كارثية، تجمع بين الوسط المتعفن والأواني القذرة، في حضور الحشرات والجرذان ومختلف الأدوات الحاضنة للجراثيم، وكل ذلك لتصنيع وجبات تبدو ظاهريا عادية لكنها في الأصل سموم تقدّم على طبق للمستهلك.
كل شيء يتم في خلفيات لا يدخلها المستهلكون، وهي مجمع لموبقات لا يشاهدها الزبائن، فأصحابها يستعملون مواد فاسدة غير صالحة للاستهلاك في مقدمتها البيض المكسور، الذي من المفروض أن يوجه إلى سلة المهملات نظرا لعدم صلاحيته، إلا أن المختصين في القتل السريع يشترونه بثمن بخس، ويستعملونه في تحضير الوجبات بدون إعارة أي اهتمام لصحة المستهلك. وهي طريقة مستوحاة من قاموس الاحتيال والربح السريع، والعملية تكون داخل خلفيات مخفية لو اطلعت عليها، لملئت منها رعبا لما سيفاجئك من أوساخ وقاذورات تمتزج مع بقايا الطعام الملطخة على الجدران، والأواني التي اسودت من فرط استعمالها بدون غسيل. والمطعم بكامله يعج بالفئران والصراصير، والمكان مجهز بأوان تقليدية تراكمت فيها مخلفات الدهر، وبإمكانك أن تلاحظ السواد الذي يغطي الأرضية والجدران ومآزر العاملين بالمحل، وهي الظروف التي ينشأ فيها “فاسد فود” الذي يسوق الناس إلى المستشفيات والمقابر.
وعن نظافة محلات الإطعام السريع، تحدثنا مع السيد عمر من سطيف، وهو صاحب محل من هذا النوع، فأكد لنا بأنه يحرص على النظافة لكن يقول بصراحة لا يمكن الوصول إلى نظافة تامة، لأن المطعم بمثابة ورشة فيه حركة وعمال يشتغلون لساعات طويلة، فيصيبهم العياء الذي يدفعهم قصرا إلى التهاون في نظافة المكان أو المعدات، خاصة إذا كان المحل يعرف إقبالا كبيرا للزبائن، فهنا تأكد يقول عمر بأن التهاون موجود والفوضى تطغى على المكان، ولا يمكن التحكم في الوضع. ويضيف محدثنا، رغم التحركات التي يقوم بها أعوان الرقابة التابعين لمصالح التجارة، إلا أن صاحب المطعم يقبل العقوبة ويمتثل للقانون ويستجيب عند الردع، لكن مع مرور الوقت “تعود ريمة إلى عادتها القديمة”.
“الكاشير” القاتل يعود إلى الذاكرة
حادثة “الكاشير” القاتل، ستحكى للأجيال مثل الكوارث الطبيعية و”كورونا”، فحادثة التسمم التي وقعت منذ أيام بسطيف، أعادت إلى الأذهان كارثة “الكاشير” القاتل التي وقعت سنة 2000 بولاية سطيف وما جاورها، التي أودت بحياة 44 شخصا وإصابة 240 مواطن بمرض “البوتيليزم”، فرغم مرور سنوات عن هذه الحادثة التي تصنف من المآسي التي ستبقى تطفو على السطح في أي مناسبة تسجل فيها إصابات من هذا النوع، والظاهر أنها ستحكى للأجيال القادمة مثلها مثل حوادث الزلازل والفيضانات والأمراض التي أهلكت البشر في العديد من البلدان، وسيذكر الناس في مختلف البقاع بأنه في يوم ما تحول “الكاشير” في الجزائر إلى سلاح فتّاك خلّف ضحايا على طريقة الكوارث الطبيعية. ومن هؤلاء الضحايا عائلة فقدت ثلاثة من أفرادها، فماتت الأم واثنان من أبنائها وأغلب الضحايا يومها كانوا من ولايات الشرق، فتسربت الكارثة إلى عدة مناطق كقسنطينة، ميلة، شلغوم العيد، باتنة، صالح باي، بئر العرش وعين ولمان.
إذا كان البعض قد جهلوا أو نسوا ما حدث، ولا يقدّرون اليوم جلل الحادثة، فإن العائلات التي فقدت أبناء في عز الشباب وفي مرح الطفولة، لن تنسى تلك المجزرة التاريخية. ومن هؤلاء الضحايا طفل يدعى (ب.ع) من بلدية بئر العرش بولاية سطيف عمره 8 سنوات، اشترى والده 250غ من مادة “الكاشير” اقتناها من أحد المحلات الكائنة ببلدية بئر العرش، ولما أخذه إلى البيت، كانت تلك المادة هي وجبة العشاء الرئيسية بالنسبة إليه ولابنه، ومن حسن الحظ ابنته الصغيرة لا تحب “الكاشير”، لكن بالنسبة للطفل، فقد شعر بعد مدة بدوار وضعفت قوته وراح يشتكي من آلام في الحلق وعدم قدرته على رؤية الأشياء بوضوح، وأحس الوالد كذلك بدوار.
وعند تنقلهما إلى المستشفى، لم يتمكّن الأطباء آنذاك من تشخيص المرض، لذلك بقي الاثنان تحت الرعاية الطبية لكن حالة الطفل ازدادت سوءا وأصبح لا يقدر على تناول الطعام، ولا حتى على شرب الماء بسبب الورم الذي أصابه في البلعوم، وبعد حوالي شهر من المعاناة، لفظ الطفل أنفاسه الأخيرة ليتم دفنه، في غياب والده الذي بقي ماكثا بالمستشفى.
وبنفس البلدية، قام الشاب (ش. م) البالغ من العمر 15 بمساعدة جاره في تنزيل بعض مواد البناء، وبعد الانتهاء من عمله كافأه الجار بقطعة “كاشير” تناولها في الحين، لكن بعد مدة أحس بدوار وبآلام في الحلق لينقله والده إلى مصحة ببئر العرش، ثم إلى مستشفى العلمة أين حوّل على جناح السرعة إلى المستشفى الجامعي بسطيف، وبعد أربعة أيام من الرعاية الطبية، ظلت حالة الطفل في تدهور مستمر مما أجبر المصالح الطبية على تحويله إلى قاعة الإنعاش. وبحسب الوالد الذي مازال يذكر تلك الحادثة المؤلمة، فإن ابنه تلقى أوامر بعدم شرب الماء، لكنه لم يلتزم بذلك لعدم قدرته على مقاومة العطش، فحدث ما لم يكن في الحسبان، وبعد حوالي 12 ساعة، تلقى الوالد مكالمة هاتفية من المستشفى، فأخبروه بأن ابنه فارق الحياة.
وفي نفس المنطقة، ضيّع الشاب (م. ف) مستقبله الدراسي وقاطع التعليم في السنة الثانية ثانوي، حيث أجرى عملية جراحية على مستوى العنق أرغمته على المكوث في المستشفى لمدة 14 شهرا، وكل ذلك بسبب تناوله لمادة “الكاشير” الفاسد التي تركت له آثارا نفسية عميقة ومازال إلى اليوم أثر العملية باديا على عنقه، وهو الآن مجبر على ارتداء أقمصة خاصة تسمح بتغطية جرح العملية، وبحسب والده، فإن تكاليف العلاج فاقت 40 مليون سنتيم، ومن حسن الحظ نجا الطفل من الموت.
حادثة “الكاشير” كانت لها آثارها العميقة وغيّرت مجرى حياة الكثير من العائلات، فكانت وراء وفاة زوجين لم يمر عن تاريخ زواجهما سوى 20 يوما فقط، لا لشيء إلا لأنهما تناولا مادة حمراء اشتراها العريس بأبخس الأثمان، ففقد معها أغلى ما يملك. كما سجلت هذه القضية مفارقة تحول على إثرها المتهم إلى ضحية، حيث تقدمت عائلة من شلغوم العيد بشكوى ضد تاجر للمواد الغذائية الذي باعها مادة “الكاشير” الفاسد التي تسبّبت في وفاة أحد أبنائها، ونشب خلاف حاد بين العائلة والتاجر وقرر والد الضحية رفع شكوى ضد التاجر، لكن الأقدار شاءت أن يلقى التاجر أيضا حتفه بسبب تناوله لنفس المادة، فاحتارت العائلة بين الحزن على ابنها ومن تقاضي بعدما تحول المتهم إلى الضحية.
فاجعة أخرى ألمت بشاب يبلغ من العمر 24 سنة، توفي أسبوعا واحدا قبل حفل زفافه، ولفظ أنفاسه الأخيرة وهو بصدد التحضير للعرس إذ يبدو أنه تعب من عملية شراء لوازم الفرح، فأراد أن يستريح بتناول قطعة “كاشير”، فكانت راحته إلى الأبد.
واليوم بعد مرور سنوات على حادثة “الكاشير” القاتل، تعود التسممات بأوجه متعدّدة ومصير واحد، ليتذيل الطفل تيم قائمة الضحايا التي ستبقى مفتوحة طالما توفرت نفس الأسباب ونفس الظروف. وهي حال أصحاب محلات من فصيلة المجرمين، يبيعون الموت في أطباق مكفنة بمواد سامة.