تهميش “الحلال” لتحليل الربا
من سيتابع يوم غد مراسيم احتفال الدولة بعيد الأضحى المبارك، بحضور الطاقم الوزاري وكبار رجال الدولة لأداء صلاة العيد، سوف يعتقد أن الدولة التي لا تفرط هكذا في”السنة” لا بد أنها حريصة في سلوكها على الوفاء بـ”الفرائض” التزاما بالمادة الدستورية التي تقول إن “الإسلام دين الدولة”، ومن تابع تصريح وزير المالية منذ يومين، وهو يعد مسلمي هذا البلد بقرب تعويض الفوائد الربوية بـ”هوامش مالية حلال” سوف يعتقد أن الدولة قد التفتت أخيراً لانشغال الغالبية من مواطنيها، وقد همّشهم النظام المصرفي الربوي، وحرّم عليهم الاستعانة بـ”القرض الحسن”، حين استسلم لإملاء العصابة المتحكمة في النظام المصرفي الربوي العالمي، ودخل هو والحكومة والمشرّع في معارضة صريحة مع أهمّ مادة في الدستور.
غير أن الذي قرأ نص التصريح بالكامل، يعلم أن وزير المالية قد أخذ هذا القرار “مكرها أخاك لا بطل” بعد أن ولدت الأزمة عنده الهمة، يريد إقناع المسلمين الممانعين للنظام الربوي بطرق أبواب بنوك يقول إنها سوف تجزي ودائعهم بـ“هوامش مالية حلال” بدل الفوائد، ولا نعلم يقينا كيف يمكن لبنوك تتعامل بالربا أن تنتج “هوامش مالية حلال” إذا كانت جميع عوائدها أصلا من الربا؟ وأغلب الظن أن الوزير إنما يريد التأصيل لـ“فتوى” سابقة للوزير الأول، زعم فيها: أن ما يفرض على قروض “الأونساج” من فوائد هي مصاريف “الخدمة البنكية” ليس إلا.
الوزير خيَّر المسلمين في هذا البلد بين أخذ “الهوامش المالية الحلال” أو الفائدة الربوية الحرام، أو ترك هذه الفائدة في أرصدة البنوك دون أخذها، لنعلم منه أن البنوك تجتهد لاستكمال المشروع، وهذا “لتمكين كافة الشرائح باختلاف آرائها وانطباعاتها من ضخّ أموالها في المؤسسات المالية والمصرفية دون أية مشاكل“، وقد وجب التوقفُ عند عبارة “لتمكين كافة الشرائح باختلاف آرائها وانطباعاتها” وكأنّ رفض المسلمين، في هذا البلد المسلم، التعامل مع البنوك الربوية هو محض “رأي” أو“انطباع” وليس التزاماً بحكم شرعي صريح!
هذا ما هو معلن، وما أضمره التصريح أخطر، فقد “أفتى” بالحبر السري بحق الدولة في تحريض مواطنيها المسلمين على الدخول في مخالفةٍ شرعية قد توعّدهم بشأنها نصّ قرآني صريح بحرب من الله ورسوله، ومن أباح لمواطنيه المسلمين: الربا، وتجارة الخمر ومعاقرتها، لن يحرّم عليهم الزنا، ولا أي من الكبائر التي شُرّعت فيها الحدود، كل ذلك من حكومة ينتسب إليها وزيرٌ للشؤون الدينية، هو من يعين أئمة المساجد، ويدير أوقاف المسلمين، ويحتكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويفترض أنه يقوم بحراسة الدين بالوكالة عن المواطنين.
ما لم يصرح به الوزير: أن الحكومة والهيئة التشريعية، بفرضهما النظام الربوي على مجتمع مسلم، لم يرتكبوا فقط مخالفة دستورية من جهة الخروج عن تبعات المادة الثانية، بل دخلوا في مخالفات دستورية مع أحكامه التي تنص على واجب العدل والإنصاف بين المواطنين، وتجرم خيانة الأمانة، والنصب والاحتيال، وهذا ما يرتكبه النظام المصرفي الربوي الذي قاد العالم وبلداننا إلى الإفلاس.