تهويل ملفّ “الأحمدية”.. هل هو مؤامرة شيعيّة-علمانية؟
كان في الإمكان اعتبار الحملة التي أُعلنت قبل أشهر خلت ولا تزال مستمرّة إلى الآن، على الطّائفة الأحمدية القاديانية التي استطاعت أن تكسب لها بضع عشرات من الأتباع بين الجزائريين، حملة خالصة لوجه الله، يراد من ورائها حفظ دين الأمّة وصون عقيدتها، لولا أنّها تبدو مريبة بعض الشّيء في توقيتها وفي حجمها.
لا يمكن لأحد أن ينكر أنّ هناك بعض الأفراد المغرّر بهم ينشطون في التّرويج للعقائد التي تتبنّاها الطّائفة “الأحمدية”، لكنّه لا أحد ينكر أيضا أنّ من وقعوا في حبائل هذه الطّائفة من الجزائريين لا يتجاوز عددهم بضع عشرات، وعلاوة على هذا، لا توجد جهة رسمية –داخل الجزائر على الأقلّ- ترعى المدّ الأحمديّ وتدافع عنه، والإعلام الذي يروّج لأدبياته إعلام ضعيف وباهت لا يشكّل خطرا ذا بال على الجزائر ولا على غيرها من الدول العربيّة والإسلاميّة، ولا يكاد يمثّل شيئا أمام المدّ الشّيعيّ الذي ترعاه جهات معروفة، ويحظى بغطاء رسميّ ويتلقّى دعما ماليا كبيرا يمكّن بيادقَه من شراء الذّمم وتسخير كلّ وسائل الإغراء والتّغرير، كما أنّه يملك ترسانة إعلاميّة تعمل باللّيل والنّهار لتشكيك المتلقّين في دينهم وتاريخهم ورموزهم، وقد أمكنه استمالة الآلاف من الجزائريين.. ومع ذلك لم نرَ الجهات المسؤولة تعلن حالة الاستنفار، ولم نرَ الإعلام –باستثناء بعض الجرائد والقنوات الخاصّة- يعطي هذا المدّ حقّه من الفضح والتّحذير!.
يبدو أنّ وراء الأكمة ما وراءها، خاصّة وأنّ الحملة التي أُعلنت على الطّائفة “الأحمدية” انطلقت بشكل مفاجئ وبكلّ قوة مع بدء طرح ملفّ التشيّع في الجزائر على صفحات بعض الجرائد وعلى شاشات بعض القنوات، فلا يبعد أن يكون لسدنة المشروع الشيعيّ دور في الحملة على الأحمدية، لصرف الأنظار عن المدّ الشيعيّ الذي ينخر المجتمع الجزائريّ في ظلّ صمت رسميّ مريب، وفي ظلّ تواطؤ من بعض الجهات الإعلاميّة وبعض الجهات النّافذة التي تسعى جاهدة ليبقى ملفّ التشيّع في الجزائر تحت الطّاولة، ولعلّ ممّا يعزّز هذا الظنّ أنّ بيادق المشروع الشيعيّ الطّائفيّ في الجزائر، قد تداعوا جميعا للتّحذير من الأحمديّة، مع أنّهم كانوا قبل ذلك يتمترسون خلف شعارات نبذ الطّائفية ونبذ الصّراعات داخل الأمّة الواحدة، وليس يخفى أنّ الصّراع الذي يرفضونه هو التّدافع الذي يفضي إلى كشف المآرب الطائفية للمشروع الذي يدافعون عنه طوعا وطمعا، أمّا الصّراع الذي يكون داخل أمّة أهل السنّة والجماعة فهو صراع يستهويهم النّفخ في كيره، لينشغل أهل السنّة بعضهم ببعض عن اكتشاف المؤامرات الشيعيّة.. ولعلّ من المفارقات التي تكشف مآرب هؤلاء السّدنة أنّهم في الوقت الذي يعلنون فيه أنّ التصدّي للمدّ الأحمديّ القادياني واجب دينيّ ووطني، لا يستحون من القول بأنّ التصدّي للمدّ الشّيعيّ التّكفيريّ الطّائفيّ يعدّ شقا للصفّ وطائفيةً ينبغي أن تحاصر ببثّ ثقافة تقبّل الآخر!.
قبل بضعة أسابيع، كتب أحد الصحفيين المعروفين، تعليقا عابرا ومقتضبا على منشور فايسبوكيّ يتعلّق بموضة “التشيّع السياسيّ”، لكنّه يعرّي حقيقة ما يخطّط له المنافحون عن المشروع الشيعيّ الطّائفيّ في هذا البلد الجريح، حيث كشف أنّ ناشطا أقيل من منصب حسّاس في وزارة لها علاقة وثيقة بملفّ الطّوائف والجماعات، كان –وهو في منصبه الحسّاس- يرفض أيّ حديث عن المدّ الشيعيّ، ويطالب الصحفيّ بتأجيل التطرّق لهذا الموضوع والتفرّغ فقط للحديث عن السلفية الوهابيّة، على اعتبار أنّها أخطر الطّوائف، في نظر هذا المسؤول السّابق.. ذات المسؤول كشف بدوره في لقاء صحفي مع إحدى القنوات أنّه “متشيّع سياسيا” وأنّه كان يعمل في وزارة مسؤولها الأوّل يحمل هوًى إيرانيا!.. وهي التصريحات التي تمّ تداولها على نطاق واسع من دون أن تثير حفيظة المسؤولين الذين أعلنوا حالة الاستنفار لمحاصرة بضعة عشرات من الجزائريين اعتنقوا الديانة القاديانية، بينما الممهّدون للمشروع الشيعيّ يعلنون بكلّ صراحة ولاءهم لإيران ولا أحد ينكر عليهم سعيهم أو يحاسبهم!.
لقد أمكن بيادق المشروع الشيعيّ الطّائفيّ في الجزائر أن يصلوا إلى مواقع حسّاسة، وأمكنهم التّأثير في تسيير ملفّ الطّوائف والجماعات وفق الوجهة التي يريدونها، كما أمكنهم شراء بعض الذّمم بين الإعلاميين والكتّاب لاستنطاقهم واستكتابهم بما يخدم المشروع الطّائفيّ أو على الأقلّ يضمن حيادهم وعدم مساهمتهم في فضحه، بل وأمكن المروّجين لهذا المشروع أن يكسبوا ولاء بعض الشّخصيات الوطنيّة بل وحتى بعض المسؤولين في مواقع ومستويات مختلفة، وبدأنا نسمع خطابات تقلّل من خطر المدّ الشيعيّ وتهوّن من شأنه في مقابل التّحذير من أخطار أخرى؛ مهما بلغت خطورتها فإنّها لا تصل إلى درجة التّهديد الماحق الذي يحمله المشروع الشيعيّ الطّائفيّ الذي يبشّر بمذهب هو أكبر مذهب تكفيريّ في تاريخ الأمّة، وأكثر مذهب يشحن أتباعه بأحقاد الحاضر والماضي والمستقبل، ويغريهم بالتّوطيد لخروج الغائب المنتظر بإسالة دماء أهل القبلة، وأكبر مذهب يغري أتباعه بلعن الأحياء والأموات والبراءة منهم ولو كانوا من أخيار هذه الأمّة ومن هداتها الفاتحين!.
على الكتّاب والإعلاميين أن يدركوا حقيقة ما يحاك في الدّهاليز لصرف الأنظار والهمم عن فضح التحرّكات المريبة والمتسارعة لسدنة المشروع الطّائفيّ، وعلى الأئمّة والخطباء وأمناء وأعضاء المجالس العلميّة التّابعة لوزارة الشؤون الدينيّة والأوقاف أن يكونوا أذكى من أن يتمّ توجيههم وترتّب أولوياتهم.. صحيح أنّ الطّائفة الأحمدية أشدّ انحرافا من الطائفة الشيعية الاثني عشرية، لكنّ نشاط أتباع الطّائفة الأحمديّة والإمكانات التي تسخّر لهم، لا تقارن أبدا بنشاط وإمكانات الطائفة الشيعيّة، كما أنّ كثيرا من الانحرافات الدينية والعقائدية الموجودة عند القاديانيين بصورة معلنة، يوجد ما يدانيها ويقاربها عند الشّيعة بصور أخرى، ويبقى الحقد والإرهاب اللّذان يحملها المشروع الشّيعيّ، لا يوجد لهما نظير عند الأحمدية ولا عند غيرها من الطّوائف الأخرى.
كما على الشباب الملتزم أن يتنبّهوا ويحذروا الوقوع في أتون الفتنة التي يُذكي نارها سدنة المشروع الشيعيّ لإشغال أهل السنّة بعضهم ببعض، فتارة يحاولون شغلهم بالردّ على السلفية الوهابية، وتارة بالإخوان المسلمين، وهكذا يحرّضون الإخوان على السلفيين والسلفيين على الإخوان، ويحرّضون الوطنيين على هؤلاء وأولئك، لتُصرف الأنظار عن تحرّكاتهم.. نعم، عند بعض الطوائف المنتسبة إلى أهل السنّة من الأخطاء ما يستلزم الإنكار، لكنّ الإنكار لا ينبغي أبدا أن يتحوّل إلى حروب تشغل الأمّة عن مواجهة الخطر الباطنيّ المتناغم في أهدافه مع الخطر الصّهيو-صليبيّ.
كلّ ما سبق من كلام لا يعني أبدا أنّ سدنة المشروع الشيعيّ هم وحدهم من ينفخ في ملفّ الأحمدية؛ فالعلمانيون وأصحاب المصالح من جهتهم، يهمّهم كذلك أن تُصرف الأنظار عن سعيهم الدّؤوب للاستئثار بالمغانم والتوزيع العادل للمغارم، وعن زحفهم الممنهج على ثوابت الأمّة، من الأسرة إلى المنظومة التربويّة إلى الخطاب الدينيّ والمسجديّ.