تواطؤٌ على الفشل…؟!
أبرز قانون المالية التكميلي لسنة 2015 الذي صادق عليه مجلس الوزراء برئاسة السيد عبد العزيز بوتفليقة يوم 6 شوال 1436 الموافق 22 جويلية 2015 مؤشرات تدهور الوضعية المالية للجزائر وصعود ملامح الأزمة الاقتصادية، فقد بات من الواضح أن الاقتصاد الجزائري عجز عن التحوّل من نظام ريعي يقوم على استنزاف الثروة البترولية والغازية، إلى نظام اقتصادي صاعد يقوم على اقتصاد سوق خارج ريوع المحروقات والمنظومة التجارية الطفيلية والريعية.
ويرى الاقتصاديون أن المجتمعات التي تعتمد على الاقتصاد الريعي تبقى أسيرة نظام اقتصادي استثنائي لا يدوم طويلا لأنه في حال نفاد الثروات الطبيعية التي تعتمد عليها هذه الدول يصبح الاقتصاد مجرد آلة معطلة عاجزة عن انتاج الثروة وتوفير وسائل العيش الكريم للمجتمع. ولم يبعد الخطاب التسكيني أو التطميني للوزير الأول عبد المالك سلال، الذي وجّهه عبر وسائل الإعلام العمومية غداة المصادقة على القانون التكميلي نُذر الصعوبات التي تنتظر الجزائر في المستقبل المنظور.
في 18 جوان 2015 صرّح عبد المالك سلال قائلا: “يجب أن نكون على دراية بأن الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج يتطلب وقتا طويلا من أجل التحضير لمرحلة ما بعد النفط…”.
وقبل ذلك بعام (2014) أبعدت مؤسسة _كوفاس_ الفرنسية، الجزائرَ من قائمة الدول المرشّحة للالتحاق بركب الدول الصاعدة على غرار مجموعة _البريكس_ وهي الهند والصين وروسيا وجنوب إفريقيا. كما لم تكن الجزائر حتى ضمن الدول التي تملك إمكانات الترشح لتكون ضمن الدول ذات الاقتصاد الصاعد على غرار كولومبيا والفيتنام وإندونيسيا وتركيا والبيرو والفلبين وسيريلانكا وكولومبيا.
الاقتصاد الجزائري ظل لعقود رهين الأسعار المسجلة في الأسواق الدولية، فالمحروقات تساهم بنسبة 35% من الناتج الداخلي و98%من إجمالي الصادرات، و64% من الإيرادات العامة للدولة، وتتراوح نسب الجباية البترولية ما بين 55% و68% من إجمالي الجباية.
تميز الاقتصاد الجزائري على مدار عقود من الزمن بالضعف الهيكلي من خلال تسيير إداري مركزي أثر سلبا في الطاقات الإنتاجية، وبالرغم من مرور قرابة ثلاثة عقود على مسار الإصلاح الاقتصادي الذي بدأ في سنة 1986، وبعد حوالي عقدين من لجوء الجزائر إلى تطبيق برنامج التعديل الهيكلي تحت إشراف صندوق النقد الدولي الذي بدأ سنة 1994 وفرض على الجزائريين تضحيات كبيرة وخصوصا على الفئات الاجتماعية الهشة والطبقة المتوسطة، فإن القائمين على شؤون البلاد فشلوا في تحويل الاقتصاد الجزائري إلى اقتصاد صاعد، رغم البحبوحة المالية الاستثنائية التي توفرت لخزينة الدولة مع ارتفاع أسعار النفط مع بداية الألفية الميلادية الثالثة.
ولعل الاثر الإيجابي لهذه البحبوحة المالية تمثل في تقليص نسبة المديونية الخارجية بشكل كبير، ورفع نسبة التحويلات الاجتماعية لصالح الفئات الشعبية، وارتفاع نسبة الانفاق العام، وتقليص نسبة البطالة، وتحسين وتطوير مرافق البنية التحتية. ولكن استشراء الفساد وضعف آليات تخطيط المشاريع العامة وتنفيذها، عصف بجهود ومحاولات التطوير الاقتصادي، ولم يكفِ مبلغ حوالي 800 مليار دولار التي أنفقت في مخططات التنمية لبناء اقتصاد بديل للريع البترولي، وهو المبلغ الذي يعادل بالقيمة الحالية للدولار ثمانية أضعاف مخطط مارشال، الذي كان كافيا لإعادة بناء أوروبا الغربية والنهوض بها من خراب الحرب العالمية الثانية.
لقد كانت تكاليف المشاريع الكبرى التي تنجزها الجزائر تتجاوز المعايير المتعارف عليها دولياً. وتأتي الرشوة واستغلال النفوذ على رأس الآفات الاقتصادية والأخلاقية الكابحة لاستقطاب الاستثمار وتحقيق النمو الاقتصادي، وذكرت دراسة جزائرية، أن الاقتصاد الجزائري يعاني من عدة صور للرشوة منها:
* الرشوة المحلية: أي منح القطاع الخاص الرشاوى لمسؤولين كبار للحصول على الصفقات المطروحة أو الحصول على الإعفاءات الضريبية أو الجمركية… الخ.
* الرشوة الدولية: وهي التي تدفعها شركاتٌ أجنبية للحصول على الصفقات الخارجية والامتيازات.
* الرشوة السياسية: من الصعب جدا تلمّسها واستيعابها لأن من يقوم بها هي السلطة السياسية المرتشية، وتكون في شكل إغراءات، زيادات في الأجور، تقديم مِنح وامتيازات عينية ومالية تمنح لجماعات فاعلة (نقابات، نخب سياسية، جمعيات وأحزاب) من أجل تدعيم سلطتها.
ومن أبرز القضايا المتعلقة باستشراء الفساد واستعمال الرشوة قضيّتا الطريق السيار شرق-غرب، وقضية سوناطراك اللتان أسالتا كثيراً من حبر الصحافة الجزائرية والأجنبية.
ولأن الجزائريين يشترون كل شيء تقريبا من الخارج، فإن بارونات الاستيراد، وصل بهم العبث بأموال الدولة وتهريب العملة الصعبة إلى حد استيراد الحجارة، والتراب، وأكباد الخنازير…!
ولكن يجب الاعتراف، بأن المجتمع بدوره يتحمّل كذلك مسؤولية الفشل في تحقيق الإقلاع الاقتصادي، والانخراط في منعطف الفاعلية الاقتصادية، فعلى سبيل المثال، سطّرت الدولة عدة برامج ووضعت عدة آليات لتمكين الشباب من إنشاء مؤسسات صغيرة ومتوسطة عن طريق منح قروض لأصحاب هذه المؤسسات للمساهمة في خلق الثروة وحل مشكل البطالة وتنويع الاقتصاد، ولكن تبيّن بعد بضعة سنين أن أكثر من ثلث أصحاب المؤسسات الصغيرة عجزوا عن سداد ديونهم، وكان منهم من أخذ القرض وفرّ إلى خارج الوطن معللا تصرفه بأنه “أخذ حصته من عائدات بيع البترول”، وعندما بدأت الدولة ترفع دعاوى قضائية ضد المتخلفين عن سداد ديونهم، شنت بعض الصحف حملة ضارية على تصرّف الحكومة، وعيّرتها بأنها عجزت عن ملاحقة شكيب خليل وأمثاله من اللصوص الكبار ورفعت سيف الحجاج على المقترضين الصغار من الشباب أصحاب المؤسسات الصغيرة، وكأن العدالة والتصرف الرشيد يكمن في رفع الحرج والمحاسبة عن كل مغترف من المال العام!
وقد بلغت قيمة الديون غير المحصّلة في مجال المؤسسات الصغيرة 9 آلاف مليار، وهو نفس المبلغ المستحق على المرقّين العقاريين الخواص، حيث ذكرت مصادر إعلامية أن مصالح الأمن بدأت التحقيق في القروض المتعثرة التي تفوق 9 آلاف مليار، إذ استغل رجال أعمال جزائريون التسهيلات التي منحتها الحكومة لمشاريع الإسكان والقروض الميسرة التي تقرّر منحها لتحويل أموال قروض بنكية إلى استثمارات أخرى، حدث ذلك بتواطؤ في بعض الأحيان من إطارات في البنوك.
وإذا تحوّلت ثقافة النهب إلى اقتناع راسخ أو إلى رياضة وطنية، وعمّ التواطؤ على الفساد، فلن تكفي كنوزُ قارون، ولا مئات الملايير من مداخيل البترول لتحريك عجلة النمو الاقتصادي، والخروج من شرنقة الاقتصاد الريعي.