توقفوا.. أنتم تتزاحمون على “الجيفة”!
محلات بيع الدواجن، النقطة السوداء في أسواق العاصمة، تجاوزات بالجملة وطرق مبتكرة في الغش لتسويق لحوم “جيفة” لا تصلح حتى للاستهلاك الحيواني، دجاج يسوق بالأحشاء في مبردات مغشوشة معدلة عند 25 درجة، حيث ساهم ارتفاع درجات الحرارة في تحويل هذه المبردات إلى أفران تحتوي داخلها دجاجا متكدسا بأسعار جذابة، ما جعل المواطنين يتدافعون عليها بلهف منقطع النظير، غير أن أعوان الرقابة كشفوا المستور ووضعوا المستهلكين تحت الصدمة “أنتم تتدافعون على دجاج فاسد..”.
كانت صبيحة اليوم 11 من رمضان الجاري، الحرارة قد عرفت ذروتها عندما قررنا مشاركة أعوان الرقابة وقمع الغش بالعاصمة جولة روتينية في أكثر الأسواق شعبية، حيث تفاجأنا بتجاوزات “مميتة” وممارسات مغشوشة لتجار هدفهم الربح السريع وشعارهم “الغاية تبرر الوسيلة“.
حجز 485 كلغ من الدجاج في محل وتحويله لحديقة الحيوانات
“الكونترول” لا أحد يحسب له حساب أو يتوقع قدومه، “ف.م” صاحب محل لبيع الدجاج بشارع باسطا علي رقم 25 بباب الوادي كان يعج محله بالزبائن المصطفين في طوابير طويلة لغاية الباب الخارجي للمحل، عندما اقتحمناه رفقة أعوان الرقابة مستفسرين عن الدجاج الكامل غير المنزوع الأحشاء، فأجاب العامل بأنه موجود ومعروض للبيع ليقوم ممثل مديرية التجارة بمطالبة العامل بجلب صناديق ووضع كل الكمية المتوافرة في المحل داخلها، فالمرسوم التنفيذي الساري العمل به منذ سنوات التسعينات ينص على أن الدواجن تباع منزوعة الأحشاء، والتاجر قد يعرض صحة المواطنين للخطر ببيعه هذا المنتج.
فجأة بدأت الحركية تقل داخل المحل عندما علم الزبائن أن الأمر يتعلق بـ “الكونترول“، طلب السيد دهار العياشي قائد فرقة الرقابة من صاحب المحل أن يدله على غرفة التبريد، فقام بالإشارة إلى مربع حديدي في الأرض وبمجرد إزالته انكشف لنا ممر ضيق إلى السرداب عبر سلالم حديدية مهترئة وصدئة، نزلناها فاستقبلتنا رائحة كريهة تبعث على الغثيان، دماء تملأ السلالم والريش في كل مكان، رائحة التعفن تعم الأرجاء حيث لا توجد تهوية وطاولة عليها الدجاج الى جانب المرحاض، وأمامه صناديق مكومة من الدجاج وصناديق أخرى متناثرة تغرق في المياه القذرة وتحيط بها شباك العنكبوت من كل جانب وكأننا في مكان مهجور، المنظر كان يبعث على التقزز والاشمئزاز.
بدأ ممثل المديرية في الحديث مع “ف.م” عن عدد الدجاج غير المنزوع الأحشاء الموجود في محله، فصرح المتحدث أنه يبلغ 150 دجاجة غير أن العدد الحقيقي كان أكبر بكثير، فداخل غرفة التبريد وحدها تم حجز 234 دجاجة يجلبها من عند صاحب مذبح يدعى “ع.م” بالبليدة، غير أن السيد العياشي أخبره بأن المذبح الذي يقتني منه غير قانوني لأن البضاعة لا تحمل وسما، وعن الأسعار كشف صاحب المحل بأنه يبيع الدجاج غير المنزوع الأحشاء بـ 218 دج والدجاج المنزوع الأحشاء بـ 248 دج. والغريب أن البائع اعترف بأنه في كل مرة تتعرض بضاعته للحجز ويتم تحرير مخالفة ضده لكنه يعود لممارسة نفس النشاط، إلا أن ممثل المديرية أكد له أنه لن يسمح له بمزاولة نشاط بيع الدجاج مرة أخرى.
شعرنا بالاختناق ونحن في السرداب وكأننا في مصلحة لحفظ الجثث، لذا سارعنا بالصعود للأعلى بحثا عن هواء نظيف نستنشقه، ورحنا نتحدث مع السيد دهار الذي أكد لنا أن البائع “ف.م” قد ارتكب جملة مخالفات وهي كالآتي: انعدام الوسم الخاص بالبيانات الضرورية المتعلقة باسم المذبح، عنوانه، تاريخ الذبح ورقم الاعتماد مع مدة الصلاحية، الدجاج يجب أن يكون منزوع الأحشاء والرأس والرجلين، انعدام شروط النظافة. ليقرر ممثل مديرية التجارة توجيه استدعاء لصاحب المحل مع حجز كمية 485 كلغ من الدجاج وتحويلها إلى حديقة الحيوانات ببن عكنون.
غادرنا المحل ونحن مصدومين لهول ما رأيناه خاصة عندما اقترب منا المواطنون في الخارج وراحوا يستعلمون عما شاهدناه في المحل، أحد الشباب أطلعنا أنه ارتاب في الأسعار فهي منخفضة جدا، أما سيدة فأكدت أنه لولا “الكونترول” لكان نصف الشعب الجزائري متوفى الآن.
ولم تنته جولتنا في محل الدجاج بل فضل ممثل مديرية التجارة الدخول للمحل المجاور الذي يزاول نفس النشاط، وقد تم غلقه منذ 3 أشهر بسبب تسويق دجاج “فاسد” ولم يتقدم بعد صاحبه من مصالح المديرية، ليوجه له إنذارا شفويا يطلب فيه منه أن يقصد المديرية في أقرب الآجال وأن يراعي الشروط الأساسية لبيع الدجاج كنزع الأحشاء والوسم.
والغريب في الأمر أن مبردات الدجاج التي يجب ألا تتجاوز درجة حرارتها 06 درجة تحولت إلى أفران، وهو القاسم المشترك مع أغلب محلات بيع الدجاج حسب ما أكده أعوان التجارة، ما يجعل المواطنين يستهلكون دجاجا غير آمن ..
غلق محل كان لبيع الأكل السريع تحوّل لصناعة الشاربات
يقبل عديد التجار ممن يتوقف عملهم خلال شهر رمضان على تحويل نشاطات محلات لأخرى تتناسب مع الشهر الفضيل، وهو حال محل لبيع العصائر ضبطه أعوان الرقابة يوم 26 جوان الماضي يزاول نشاطا خارج موضوع السجل التجاري، فقد حول محله لصناعة الشاربات، ليقوم ممثل مديرية التجارة بتحرير محضر ضده مع اقتراح غلق المحل التجاري، غير أن المعني استجاب سريعا. وخلال حديثنا معه اعترف لنا صاحب المحل أنه أغلقه فورا كما لاحظنا وهو يعمل حاليا على إعادة السلعة فقط.
مخبزة تبيع “قلب اللوز” و“البريوش” في صينيات متسخة
استمرت جولتنا لندخل هذه المرة مخبزة بمجرد إلقاء النظرة الأولى عليها يتضح للرائي أنها لا تتوافر على أدنى شروط النظافة، فالنحل كان يملأ المكان ويحوم حول صينيات قلب اللوز المتسخة التي أكل عليها الدهر وشرب، زيادة على صينيات “البريوش” التي كانت معروضة أمام الزبائن تراكمت عليها الأوساخ بسبب قدمها واستغلالها دون تنظيفها، حتى ثياب العاملين في المخبزة كانت في وضعية كارثية لا تشجع أي زبون على الاقتناء منها.
تحدث السيد دهار العياشي مع أحد العاملين مستفسرا عن سبب عدم قدوم صاحب المخبزة لمقر المديرية على الرغم من توجيه استدعاء له، فرد العامل بأنه سيأتي وقد قاموا ببعض التنظيفات وقضوا على “الصراصير” التي كانت تصول وتجول في المكان، غير أن رائحة التعفن كانت تنبعث منه فاقتحمنا الغرفة الضيقة التي يتم فيها إعداد الحلويات لنجد أن الأمر يتعلق بمادة المارغرين.
زلابية معروضة في العراء من دون غطاء
ولأن شهر رمضان هو موعد التجارات الموسمية قصدنا محل لبيع الزلابية وقلب اللوز، كان قد طلب منه أعوان الرقابة نزع الفرن الذي سيقوم بطبخ الزلابية عليه لأنه ممنوع ولا يتطابق مع طبيعة النشاط الموجود في السجل التجاري، فالمحل خاص بالأكل السريع أي أن بإمكانه بيع الحلويات فقط وليس طبخها، وقد تزامنت الزيارة السابقة حسب السيد دهار مع احتراق المحل وانهيار جزء من سقف المحل، وعند دخولنا شاهدنا الفوضى وكمية الأوساخ والقاذورات التي يغرق فيها.
وبعد الحديث مع صاحب المحل أوضح بأنه استجاب لتعليمة أعوان قمع الغش فأزال الفرن وهو يشتري بضاعته ولا يصنعها داخل المحل، مواصلا أنها المرة الأولى التي يزاول فيها مثل هذا النشاط وقد استأجر المحل من أحد الورثة مؤخرا للعمل فيه خلال شهر رمضان، غير أنه تكبد خسارة بالغة وقد بدا الخوف الشديد على التاجر خاصة عندما طالبه ممثل مديرية التجارة بهويته لتحرير استدعاء له وآخر لأصحاب المحل.