الجزائر
"الجدار".. اصدار علي هارون الجديد عن دار القصبة

“توقيف المسار الانتخابي أنقذ الجزائر من الظلامية”

الشروق أونلاين
  • 11548
  • 80
الشروق
علي هارون

في كتابه الصادر مؤخرا بالفرنسية تحت عنوان “الجدار” عن دار القصبة للنشر، يعود العضو السابق للمجلس الأعلى للدولة 1992 -1994 علي هارون، إلى فترة حاسمة من تاريخ الجزائر الحديث، وهي مرحلة إلغاء الانتخابات البرلمانية في جانفي 1992، التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بصورة ساحقة، لم تكن في حسابات الطبقة السياسية في ذلك الوقت، والتحوّل التراجيدي للأحداث بعد ذلك، ما كلّف الجزائر بعد عشرية من الدم ما يقارب 200 ألف قتيل، أصرّ علي هارون، في حوار سابق أجرته معه “الشروق” على أنّ هذا الرقم مبالغ فيه، على أساس أنه شغل أيضا في تلك الفترة حقيبة وزارة حقوق الإنسان، ومن خلال التقارير التي كانت تصله عن الضحايا وأسمائهم، فإنّ ضحايا العشرية السوداء لم يتجاوزوا 80 ألف قتيل في أسوإ الأحوال…

 

الشاذلي بن جديد.. انقلاب أم استقالة؟

يناقش علي هارون، عبر 12 فصلا، وهي مجموع فصول هذا الكتاب الجديد جملة من القضايا السياسية التي اتّسمت بها تلك الفترة، بداية من استقالة الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، وهنا يجيب هارون عن سؤال لطالما طُرح حول تلك الاستقالة، مفاده هل استقال الشاذلي أم أُقيل من قبل العسكر، عندما يعتبر أنّ الشاذلي، استقال بمحض إرادته، ولم يتعرض لأية ضغوطات، ودليل هارون في تأكيد ذلك هو رسالة الاستقالة التي بعث بها الرئيس الشاذلي بن جديد، بتاريخ 11 جانفي 1992، إلى رئيس المجلس الدستوري يومها السيد بن حبيلس، وممّا جاء فيها “نحن اليوم نعيش في الممارسة الديمقراطية التعددية، وتتميز بالعديد من التجاوزات…، ونظرا لهذه التطورات الخطيرة، لقد تمّ التفكير في الأزمة والحلول الممكنة، وأعتقد أن الحل الوحيد للأزمة الحالية يكمن في ضرورة الانسحاب من المشهد السياسي، أنا من هذا اليوم مستقيل من مهامي بصفتي رئيسا للجمهورية”  . 

وأكد هارون أنّ الشاذلي، لم يتطرق إلى هذه النقطة، وكما يليق برجل دولة، وقال إنه ظل صامتا، رافضا الدخول في جدل حول أحداث رحيله، والتخلّص المزعوم منه بعد تسع سنوات، وقال إنه تحدث لأول مرة، مؤكدا أن لا أحد أجبره على التخلي عن منصبه، وأن انسحابه الطوعي كان يرى فيه إمكانية فتح حل للأزمة التي بدأت بوادرها يومئذ بين الخصوم السياسيين. 

وأشار علي هارون، أيضا للدلالة على أنّ الشاذلي بن جديد، استقال بإرادة حرة إلى الحوار الذي أُجري مع الشاذلي سنة 2009، من طرف باحثين يابانيين هما ماساتوشي واتانابي شوكو، وأعادت بعض الصحف الوطنية نشره سنة 2010، والذي أكد فيه بن جديد، أنه تخلى عن منصبه كرئيس من دون ضغوط، وأنّ من يدّعون أنّه تمّت عملية انقلاب عليه فهذا غير صحيح. 

ومن الأدلة التي يوردها علي هارون، أيضا ليدلّل على أنّ الشاذلي استقال، وأنّ استقالته حفظت الحريات الجمهورية التي كانت مهددة من طرف دكتاتورية القوى الظلامية، قوله بأنه لو كان هناك انقلاب على الشاذلي مثلما يدّعي البعض، لتمّ تجريده من ممتلكاته أو نفيه أو سجنه إذا لم تتم تصفيته، وهذه هي التصرفات التي يقوم بها الإنقلابيون عادة، لكن الذي حدث أنّ الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، لم يتعرض لأيّ مكروه مما سبق ذكره، حيث احتفظ بممتلكاته وبقي محترما في إقامته، أكثر من ذلك يقول علي هارون، بأنّ الشاذلي لما مرض ذهب إلى بلجيكا لتلقي العلاج، ولم يستغل فرصة تواجده بالخارج للتنديد بالانقلاب، وعاد بسلام إلى بلاده بعد رحلة العلاج تلك. ويضيف علي هارون، إلى هذا كلّه مسألة أخرى وهي التذكير بتاريخ 19 جوان 1965، الذي يعتبره “انقلابا حقيقيا” سُمي بسخرية “تصحيحا ثوريا”، تمّ فيه سجن المنقلب عليه الرئيس الأسبق أحمد بن بلة، في إقامة جبرية طيلة حياة من قام بالانقلاب، وهو الرئيس الأسبق هواري بومدين. وهنا يتساءل هارون أيضا، هل يمكن وصف إعلان 14 جانفي بالانقلاب، وقد حدّد الإعلان المذكور فترة الهيئة الانتقالية بسنتين، وفي هذا الصدد يؤكد مؤلف كتاب “الجدار” أنّ الأمثلة قليلة في التاريخ التي يحدّد فيها الدكتاتوريون مسبقا فترة لحكمهم عندما يقومون بالانقلاب، وهذا ما يعزز ـ حسب المؤلف ـ فكرة أنّ ما حدث في الجزائر لم يكن انقلابا، وأنّ إعلان المجلس الأعلى للأمن، في الواقع جنّب الجزائر قيام دولة أصولية وصان مبادئ الجمهورية. 

 

اغتيال بوضياف.. الفعل المعزول

يستعرض علي هارون، في كتابه مختلف المواقف التي ميزت ما أسماها “الفاءات الثلاثة” الجبهة الإسلامية للإنقاذ “الفيس”، جبهة التحرير الوطني “الأفلان” وجبهة القوى الاشتراكية “الأفافاس” من استقالة الشاذلي، وتوقيف المسار الانتخابي، كما يُسهب في استعراض آليات عمل المجلس الأعلى للدولة، ويُخصّص المؤلف فصلا كاملا للطيّب الوطني، المرحوم محمد بوضياف، استعرض فيه جوانب من حياته، وفصلا آخر تحت عنوان “الحلم المغتال” تناول فيه حادثة اغتيال بوضياف الشهيرة في مدينة عنابة، بدأه بالجملة التالية “لابد من مؤامرة واسعة لاغتيال رجل كبير”، ثم يطرح في السياق ذاته، من له مصلحة في هذا الاغتيال؟ ومن خلال محاولة الإجابة عن هذا السؤال يواصل المؤلف القول بأن الغالبية من الجزائريين رأوا في الاغتيال مؤامرة خططت لها المافيا “السياسية والمالية”

في هذا الخصوص يؤكد علي هارون، تحت عنوان فرعي “مؤامرة أم فعل معزول؟” بأنه مصداقية فرضية الفعل المعزول الذي قام به بومعرافي، الذي كان ضحية “غسيل مخ”، تبقى قليلة بالنظر إلى القناعة الراسخة لدى الرأي العام الوطني، بفرضية المؤامرة التي وجب الكشف عن كل من وقف وراءها، أما بخصوص الرحيل التراجيدي للمرحوم بوضياف، فوصفه مؤلف الكتاب بكونه “الجرح الذي لم يندمل”..، وأنّ من وقفوا وراءه ما يزالوا لم يُكتشفوا إلى يومنا هذا، ويورد بعض الأمثلة المشابهة في التاريخ الحديث التي لم يُكتشف مقترفوها إلى حد الآن، كحوادث اغتيال مهدي بن بركة، أولف بالم، جون كينيدي، أو مارتن لوثر كينغ..

 

المجلس الأعلى للدولة.. نهاية مهمة

خلال الأربعة فصول الأخيرة من الكتاب، يتوقف علي هارون، عند الأوضاع الأمنية في تلك السنوات، وكيف استدعت خطوة الحوار الوطني، وكذا ندوة الوفاق وعلى مدار هذه الفصول، يُسائل الكاتب بعض المواد القانونية وكذا بعض الخطوات المتّخذة، ليختم في النهاية كتابه بفصل أخير تحت عنوان “المجلس الأعلى للدولة يغادر المشهد”، تناول فيه الأجواء التي ميّزت الساحة السياسية في ذلك الوقت، ومواقف مختلف القوى السياسية من تطورات الأحداث..

بقي فقط أن نشير إلى أن الكتاب مدعّم بوثائق رأى المؤلف، أنها تنير جوانب من الموضوع الذي غطى ثلاث سنوات عاصفة من تاريخ الجزائر الحديث 1991 / 1994.  

 

مقالات ذات صلة