ثقافة الإجماع في ذكرى ثورة التحرير
الاحتفال يوم غد بعيد الثورة الستين يُفتَرضُ أن يُلهم الشعب الجزائري ونخبه أفضال الوحدة التي كانت الضامن الأول لنجاح ثورة التحرير، بعد أن أخفقت القوى السياسية في الحركة الوطنية على مدار أربعة عقود من النضال السياسي العقيم، في قيادة مسار الانعتاق من الاستعمار، وهي منقسمة على نفسها، وما كان بوسعها أن تقود الثورة لو لم تتجاوز ـ وهي مكرهة ـ “الأنا” الحزبية المتعصبة المنغلقة على الذات، وتنصهر تحت قيادة جبهة التحرير، بعنوان واحد اسمه الاستقلال.
أحوالنا اليوم لا تختلف كثيرا عن أوضاعنا عشية اندلاع ثورة نوفمبر، على الأقل من جهة افتقارنا لمشروع وطني جامع، قادر على تحريك المياه الراكدة، وكسر الجمود السياسي، الذي يعطل بناء دولة مؤسسات مستقرة، وضمان تداول آمن ومنتظم على السلطة، وبناء اقتصاد جديد يحول ريع النفط إلى مصدر لصناعة مستدامة للثروة، وتنظيم توزيع عادل لها يضمن السلم الاجتماعي، ويحمي الجبهة الداخلية من عبث العابثين، ويطمئن أجيال ما بعد الاستقلال حيال حق المشاركة في صناعة المستقبل.
لأجل ذلك، ألمس، اليوم، قدرا من الحكمة في حراك جانب من وجوه المعارضة في الجزائر، وتحديدا عند السيد مولود حمروش والقيادة الجديدة لجبهة القوى الاشتراكية، وأراهم يطرقون ـ ولو على استحياءـ سبل تحريك حالة الجمود السياسي على مستوى السلطة، كما على مستوى المعارضة، باقتراح مسار للتغيير بمعية النظام وليس ضده، وتحديدا بشراكة أو بما يشبه الكفالة الضامنة للتغيير، تتولاها مؤسسة الجيش الوطني الشعبي، في مقاربة حميدة حملها عنوان مبادرة جبهة القوى الاشتراكية، استقبلت مع الأسف بانتقادات متسرعة من قبل “التنسيقية الوطنية من أجل الحريات والانتقال الديمقراطي”، التي قرأت في مبادرة الأفافاس ”مناورة من النظام للقفز على حالة الانسداد التي آل إليها بسبب رفض التغيير”.
عشية اندلاع فعاليات الربيع العربي، كنت قد ذكرت النخب السياسية العربية، في الحكم كما في المعارضة، بواجب الأخذ بثقافة “عام الجماعة” التي حقنت دماء المسلمين في صدر الإسلام. وفي مقال صدر عشية الانتخابات الرئاسية الأخيرة تحت عنوان “ثقافة القبيلة التي تعطل عام الجماعة” نبهت إلى أنه “منذ قيام التعددية توفرت لنا فرصتان لوضع البلد على سكة التغيير والإصلاح بأدوات التوافق، كانت الأولى مع خارطة الطريق التي سطرتها مجموعة “سانت إيجيديو” ببناء عقد وطني توافقي، والثانية لمسناها في رسالة السيد حمروش الأخيرة، قبل أن يسحبها تحت الضغط، أو ربما لأنه، مثل بقية النخب، لم يكن يثق كثيرا بقدرة المواطنين على فهم ودعم مسارات التغيير السلس والآمن بأدوات التوافق”.
لهؤلاء وأولئك أقول: جربونا ولو مرة واحدة، لتعلموا يقينا: هل المواطن الجزائري على استعداد لفهم ودعم مسار التغيير السلس والآمن بأدوات التوافق، أم إنه عالق مثله مثل بقية الشعوب العربية في أوهام التغيير بالقوة والثورة، أو بالمنهج الذي ضلل أحزاب الحركة الوطنية لأربعة عقود، قبل أن تنقدها تلك الفئة التي آمنت بقدرة الشعب الجزائري على الاصطفاف كرجل واحد خلف هدف واحد، وهو يعلم مسبقا الضريبة والكلف، لكنه مطمئن إلى النتيجة.