الرأي

ثقافة الإجماع في‮ ‬ذكرى ثورة التحرير

حبيب راشدين
  • 2693
  • 4

الاحتفال‮ ‬يوم‮ ‬غد بعيد الثورة الستين‮ ‬يُفتَرضُ‮ ‬أن‮ ‬يُلهم الشعب الجزائري‮ ‬ونخبه أفضال الوحدة التي‮ ‬كانت الضامن الأول لنجاح ثورة التحرير،‮ ‬بعد أن أخفقت القوى السياسية في‮ ‬الحركة الوطنية على مدار أربعة عقود من النضال السياسي‮ ‬العقيم،‮ ‬في‮ ‬قيادة مسار الانعتاق من الاستعمار،‮ ‬وهي‮ ‬منقسمة على نفسها،‮ ‬وما كان بوسعها أن تقود الثورة لو لم تتجاوز ـ وهي‮ ‬مكرهة ـ‮ “‬الأنا‮” ‬الحزبية المتعصبة المنغلقة على الذات،‮ ‬وتنصهر تحت قيادة جبهة التحرير،‮ ‬بعنوان واحد اسمه الاستقلال‮.‬

أحوالنا اليوم لا تختلف كثيرا عن أوضاعنا عشية اندلاع ثورة نوفمبر،‮ ‬على الأقل من جهة افتقارنا لمشروع وطني‮ ‬جامع،‮ ‬قادر على تحريك المياه الراكدة،‮ ‬وكسر الجمود السياسي،‮ ‬الذي‮ ‬يعطل بناء دولة مؤسسات مستقرة،‮ ‬وضمان تداول آمن ومنتظم على السلطة،‮ ‬وبناء اقتصاد جديد‮ ‬يحول ريع النفط إلى مصدر لصناعة مستدامة للثروة،‮ ‬وتنظيم توزيع عادل لها‮ ‬يضمن السلم الاجتماعي،‮ ‬ويحمي‮ ‬الجبهة الداخلية من عبث العابثين،‮ ‬ويطمئن أجيال ما بعد الاستقلال حيال حق المشاركة في‮ ‬صناعة المستقبل‮.‬

لأجل ذلك،‮ ‬ألمس،‮ ‬اليوم،‮ ‬قدرا من الحكمة في‮ ‬حراك جانب من وجوه المعارضة في‮ ‬الجزائر،‮ ‬وتحديدا عند السيد مولود حمروش والقيادة الجديدة لجبهة القوى الاشتراكية،‮ ‬وأراهم‮ ‬يطرقون ـ ولو على استحياءـ‮  ‬سبل تحريك حالة الجمود السياسي‮ ‬على مستوى السلطة،‮ ‬كما على مستوى المعارضة،‮ ‬باقتراح مسار للتغيير بمعية النظام وليس ضده،‮ ‬وتحديدا بشراكة أو بما‮ ‬يشبه الكفالة الضامنة للتغيير،‮ ‬تتولاها مؤسسة الجيش الوطني‮ ‬الشعبي،‮ ‬في‮ ‬مقاربة حميدة حملها عنوان مبادرة جبهة القوى الاشتراكية،‮ ‬استقبلت مع الأسف بانتقادات متسرعة من قبل‮ “‬التنسيقية الوطنية من أجل الحريات والانتقال الديمقراطي‮”‬،‮ ‬التي‮ ‬قرأت في‮ ‬مبادرة الأفافاس‮ ‬‭”‬مناورة من النظام للقفز على حالة الانسداد التي‮ ‬آل إليها بسبب رفض التغيير‮”.‬

عشية اندلاع فعاليات الربيع العربي،‮ ‬كنت قد ذكرت النخب السياسية العربية،‮ ‬في‮ ‬الحكم كما في‮ ‬المعارضة،‮ ‬بواجب الأخذ بثقافة‮ “‬عام الجماعة‮” ‬التي‮ ‬حقنت دماء المسلمين في‮ ‬صدر الإسلام‮. ‬وفي‮ ‬مقال صدر عشية الانتخابات الرئاسية الأخيرة تحت عنوان‮ “‬ثقافة القبيلة التي‮ ‬تعطل عام الجماعة‮” ‬نبهت إلى أنه‮ “‬منذ قيام التعددية توفرت لنا فرصتان لوضع البلد على سكة التغيير والإصلاح بأدوات التوافق،‮ ‬كانت الأولى مع خارطة الطريق التي‮ ‬سطرتها مجموعة‮ “‬سانت إيجيديو‮” ‬ببناء عقد وطني‮ ‬توافقي،‮ ‬والثانية لمسناها في‮ ‬رسالة السيد حمروش الأخيرة،‮ ‬قبل أن‮ ‬يسحبها تحت الضغط،‮ ‬أو ربما لأنه،‮ ‬مثل بقية النخب،‮ ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬يثق كثيرا بقدرة المواطنين على فهم ودعم مسارات التغيير السلس والآمن بأدوات التوافق‮”.‬

لهؤلاء وأولئك أقول‮: ‬جربونا ولو مرة واحدة،‮ ‬لتعلموا‮ ‬يقينا‮: ‬هل المواطن الجزائري‮ ‬على استعداد لفهم ودعم مسار التغيير السلس والآمن بأدوات التوافق،‮ ‬أم إنه عالق مثله مثل بقية الشعوب العربية في‮ ‬أوهام التغيير بالقوة والثورة،‮ ‬أو بالمنهج الذي‮ ‬ضلل أحزاب الحركة الوطنية لأربعة عقود،‮ ‬قبل أن تنقدها تلك الفئة التي‮ ‬آمنت بقدرة الشعب الجزائري‮ ‬على الاصطفاف كرجل واحد خلف هدف واحد،‮ ‬وهو‮ ‬يعلم مسبقا الضريبة والكلف،‮ ‬لكنه مطمئن إلى النتيجة‮.‬

مقالات ذات صلة