-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
 أكثر من 10 آلاف شخص ينتظرون زراعتها في الجزائر

ثقافة التبرع بـ “القرنيات”… أمل ينتظر أن يُولد في مجتمعاتنا

وهيبة. س
  • 89
  • 0
ثقافة التبرع بـ “القرنيات”… أمل ينتظر أن يُولد في مجتمعاتنا

الدكتور الهادي محفوظي: قرنيات تُدفن مع الموتى… وعيونٌ تنتظر فرصة لترى الحياة من جديد

في ظل تزايد الحاجة إلى عمليات زراعة القرنية في عدد من الدول العربية، تتعالى أصوات أطباء العيون والمتخصصين بالدعوة إلى ترسيخ ثقافة التبرع بالقرنيات، باعتبارها قضية صحية وإنسانية تستحق أن تحظى بمكانة أكبر في الوعي المجتمعي، بعيدا عن الصمت والتردد والمفاهيم المغلوطة التي لا تزال تحيط بالتبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة.

وقال رئيس الجمعية الجزائرية لأطباء العيون الخواص، الدكتور الهادي محفوظي: “إن الهدايا التي يقدمها الإنسان ليست كلها تقاس بقيمتها المادية، فهناك عطاء يتجاوز حدود الحياة نفسها، ويمنح الآخرين فرصة جديدة لرؤية العالم من حولهم، فمن بين أسمى صور هذا العطاء، التبرع بالقرنية”.

وهذا القرار الإنساني النبيل الذي قد يحول ظلام العمى إلى نافذة مفتوحة على النور، ويعيد الأمل إلى أعين أنهكها المرض وفقدت القدرة على الإبصار، بحسب أطباء من الجزائر ومن دول عربية، شاركوا في مؤتمر طبي بالجزائر مؤخرا، يأتي بنشر ثقافة التبرع بالأعضاء واستغلال منصات التواصل الاجتماعي لتبسيط فهم معنى ذلك في إطار ما ينص عليه الشرع والقانون.

تزايد الحاجة لعمليات زرع القرنية في ظل التطور تكنولوجي

وفي السياق، أكد الدكتور حسام زيادة، أستاذ طب وجراحة العيون بجامعة الأزهر، ورئيس وحدة زراعة القرنية وتصحيح البصر، في تصريح لـ”الشروق”، أن القرنية، وهي الطبقة الشفافة التي تغطي مقدمة العين وتسمح بمرور الضوء، التي قد تتعرض لأمراض وإصابات تؤدي إلى فقدان شفافيتها، فينعكس ذلك بصورة مباشرة على قدرة الإنسان على الرؤية، إذ في حالات عديدة، تصبح زراعة القرنية خيارا علاجيا أساسيا لاستعادة البصر أو تحسينه، وفقا لطبيعة الإصابة والحالة الصحية للمريض.

وبصفته مختصا في جراحة القرنية بمصر، يرى أن التحدي لا يكمن دائما في التطور الطبي أو توفر الكفاءات الجراحية، بل يمتد إلى محدودية القرنيات المتاحة للزراعة، وما يترتب على ذلك من معاناة مرضى ينتظرون فرصتهم لاستعادة نعمة الإبصار، ومن هنا تصبح أهمية نشر ثقافة التبرع، وتحويلها من فكرة يتردد صداها في الندوات الطبية إلى سلوك إنساني واع تتبناه الأسر والأفراد والمؤسسات.

بين المعلومة الخاطئة والحقيقة الطبية

ويرى المتحدث أن أحد أبرز العوائق أمام انتشار التبرع بالقرنية في مصر والجزائر، يتمثل في نقص الوعي بطبيعته وأبعاده الطبية والإنسانية، فضلا عن بعض المعتقدات الاجتماعية والمخاوف النفسية المرتبطة بفكرة التبرع بعد الوفاة، قائلا: “كثيرون لا يدركون أن التبرع بالقرنية يختلف عن التبرع بأعضاء أخرى، وأنه يمكن أن يتيح لشخص آخر فرصة استعادة الرؤية، وفق الضوابط الطبية والقانونية المعمول بها”.

وأوضح الدكتور حسام زيادة، أن الأزهر الشريف أفتى في مسألة التبرع بالقرنية من منظور فقهي، وهي خطوة فتحت الباب أمام نقاش أوسع حول ثقافة التبرع بالأعضاء ومدى حضورها في الوعي المجتمعي، مشيرا إلى أن تناول الأزهر لهذه المسألة، لم يقف عند حدود بيان الحكم الشرعي، بل تتجاوز ذلك إلى طرح سؤال جوهري وهو كيف يمكن تحويل الموقف الديني الواضح، وفق ضوابطه وشروطه، إلى وعي مجتمعي يترجم إلى سلوك إنساني مسؤول؟

وبحسب فتوى الأزهر، يضيف حسام زيادة، فإن التبرع بالقرنية لا يعني انتهاك حرمة جسد المتوفى أو الانتقاص من كرامته، بل يرتبط، في إطار الضوابط الشرعية والطبية والقانونية، وبإمكانية منح إنسان آخر فرصة لاستعادة البصر. وهنا تظهر أهمية التمييز بين التبرع المشروع وفق شروطه، وبين الممارسات غير القانونية أو الاتجار بالأعضاء، وهي أمور لا يجوز الخلط بينها.

زرع القرنية في الجزائر… بين تقدم الطب وثقافة التبرع الغائبة

وبالنسبة للجزائر، قال الدكتور الهادي محفوظي، لـ”الشروق”، على هامش انعقاد المؤتمر العشرون للجمعية الجزائرية لأطباء العيون الخواص المنظم في الجزائر العاصمة، إن التوعية الصحيحة حول التبرع بالقرنية، كفيلة بتبديد المخاوف والإجابة عن التساؤلات التي تشغل الأسر، خصوصا ما يتعلق باحترام كرامة المتوفى وسلامة الإجراءات الطبية، داعيا إلى إطلاق حملات توعوية مستمرة، تشارك فيها الجمعيات الطبية والمستشفيات ووسائل الإعلام والمؤسسات التربوية والدينية، من أجل تقديم معلومات علمية مبسطة، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وفتح نقاش مجتمعي هادئ ومسؤول حول أهمية هذا العمل التضامني.

ويرى أن ترسيخ ثقافة التبرع بالقرنية لا يمكن أن يتحقق بجهود الأطباء وحدهم، مهما بلغت خبرتهم وكفاءتهم، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل تطوير آليات التبرع والاستئصال والحفظ والنقل، وتوفير الإمكانات اللازمة لبنوك العيون، إلى جانب وضع أطر قانونية واضحة تضمن الشفافية واحترام إرادة المتبرع وحقوق أسرته.

وبحسب ما أفاد به الدكتور الهادي محفوظي، المختص في طب العيون، فإنه على الرغم من التطور الذي عرفته الجراحة الطبية في الجزائر، لا يزال التبرع بالقرنية يواجه تحديات تتجاوز الإمكانات التقنية، وهي اصطدامه بحاجز الوعي المجتمعي والتردد العائلي أمام فكرة التبرع بعد الوفاة.

وكشف أن بعض المعطيات الطبية تشير إلى وجود أكثر من 10 آلاف شخص ينتظرون زراعة القرنية في الجزائر، في وقت لا تزال فيه عمليات الزرع تعتمد، في حالات عديدة، على استيراد القرنيات من الخارج.

98 عملية زرع قرنية إلى غاية سبتمبر 2025

ورغم أن بلادنا، بحسبه، حققت خطوات في هذا المجال، فإن الأرقام تكشف حجم الفجوة، فقد سُجلت 98 عملية زرع قرنية إلى غاية سبتمبر 2025، وفق حصيلة عُرضت أمام لجنة الصحة، بهذا، فإن معركة زرع القرنية لم تعد طبية فقط، بل أصبحت معركة وعي وثقة وتنظيم، فالمطلوب ليس تطوير غرف العمليات فحسب، وإنما بناء ثقافة تجعل التبرع فعل تضامن إنساني، وتمنح المريض حقه في الأمل.

إن دعوة أطباء العيون العرب إلى نشر ثقافة التبرع بالقرنية هي في جوهرها دعوة إلى إعلاء قيمة التضامن الإنساني، وإلى إدراك أن العلم وحده لا يكفي ما لم تسنده ثقافة مجتمعية تؤمن بأهمية إنقاذ حياة الآخرين وتحسين جودتها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!