-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ثقافة مصارعة التاريخ

الشروق أونلاين
  • 1138
  • 0
ثقافة مصارعة التاريخ

هناك حكمة برازيلية تقول‮ “‬يمتلك المستقبل كل من‮ ‬يحب ماضيه‮” ‬تأملت كثيرا في‮ ‬هذه الحكمة فوجدتها في‮ ‬العموم صائبة مع الأوضاع التي‮ ‬نحياها في‮ ‬واقعنا اليوم،‮ ‬فمن‮ ‬يغلبه واقعه بكل تداعياته ويعجز عن مواكبته وفهم توازناته،‮ ‬تجده‮ ‬يهرب إلى الوراء ويسارع بجهده السياسي‮ ‬والفكري‮ ‬والثقافي‮ ‬إلى تصفية الحساب مع قضايا تاريخية أو‮ ‬يفتعل معارك تاريخية في‮ ‬الوقت الضائع ساعيا لإحداث توازن لنفسيته المضطربة والنرجسية التي‮ ‬تسكنه أو لكيانه المتهاوي،‮ ‬والحقيقة أنه‮ ‬يفر عن صناعة مستقبله ويدخل في‮ ‬دوامة التاريخ بكل تجاذباته وأسراره‮.‬

‭ ‬ولا‮ ‬يقدر أي‮ ‬شخص مهما كانت مكانته في‮ ‬المجتمع أن‮ ‬يعيد عقارب الساعة إلى الخلف أو‮ ‬يعيد تشكيل الوقائع التاريخية حسب هواه أو منزعه السياسي‮ ‬والعقائدي‮ ‬الفكري،‮ ‬ومن‮ ‬يزعجه التاريخ‮ ‬يهرب منه المستقبل،‮ ‬ويفركه الحاضر بإكراهاته وضغوطه‮.‬

وحبّ‮ ‬الماضي‮ ‬ليس معناه أن لا‮ ‬يُدرّس أو لا‮ ‬يتمّ‮ ‬تقييمه واستخلاص العبر والعظات منه،‮ ‬أما إنكاره والتنصل منه وعدم تحمّله كإرث جماعي،‮ ‬فيدل على عدم الجاهزية لصناعة المستقبل والتفاعل مع الحاضر بكل تشعّباته‮.‬

في‮ ‬الجزائر ظهرت مؤخراً‮ ‬ثقافة مصارعة التاريخ ومقارعته،‮ ‬والهدف منه تبرير جرائم فرنسا المستعمِرة،‮ ‬أو على الأقل إظهار الجيش الفرنسي‮ ‬المستعمر بصورة أنه لا‮ ‬يقلّ‮ ‬عدوانية عن المجاهدين الذين حرروا الجزائر بإبراز خلافاتهم والتصفيات الجسدية التي‮ ‬حدثت في‮ ‬مسار الثورة والإثخان فيها بالتضخيم والتهويل وعدم إبراز وتخريج جرائم فرنسا المستعمِرة وإظهار حقيقتها التاريخية للأجيال القادمة في‮ ‬صورة‮ “‬لا أنسى ولا أحقد وأطالب بالاعتذار والتعويض‮”.‬

‭‬في‮ ‬الجزائر ظهرت مؤخراً‮ ‬ثقافة مصارعة التاريخ ومقارعته،‮ ‬والهدف منه تبرير جرائم فرنسا المستعمِرة،‮ ‬أو على الأقل إظهار الجيش الفرنسي‮ ‬المستعمر بصورة أنه لا‮ ‬يقلّ‮ ‬عدوانية عن المجاهدين الذين حرروا الجزائر بإبراز خلافاتهم والتصفيات الجسدية التي‮ ‬حدثت في‮ ‬مسار الثورة والإثخان فيها بالتضخيم والتهويل‮.‬

إن هذه الثقافة سبقتها ثقافة الحقد على الاستقلال والسيادة،‮ ‬والتشكيك في‮ ‬هوية الشعب،‮ ‬والمس بثوابته الوطنية،‮ ‬والعمل على تمزيق الشعور الوطني‮ ‬والانتماء إليه‮.‬

نحن في‮ ‬حاجة إلى مصالحة مع ثورتنا وصنّاعها وأبطالها وأمجادها ومع كل مكوّناتها مهما كانت مشاربُهم الفكرية والسياسية والعقيدية،‮ ‬ونحن في‮ ‬حاجة إلى محبّة أمجادنا وتراثنا عبر كل المراحل التاريخية التي‮ ‬عرفتها الجزائر‮.‬

وأوجه ندائي،‮ ‬وأنا جزائري‮ ‬وأفتخر بلا تعصب بأن كتب الله لوالدتي‮ ‬المجاهدة رحمها الله تعالى أن تضعني‮ ‬مولودا مع طلوع شمس الاستقلال،‮ ‬إلى كل من تبقى من قيادات الجهاد والثورة خاصة الذين‮ ‬يثيرون القضايا الخلافية في‮ ‬الجهاد الجزائري‮ ‬في‮ ‬وسائل الإعلام،‮ ‬فإنكم تزعجون الشهداء في‮ ‬قبورهم،‮ ‬وتشوّهون الثورة وعظمتها عند الأجيال،‮ ‬ووطنيتهم طريّة وناشئة،‮ ‬وتحققون قرة عين فرنسا بأن الثورة الجزائرية‮ ‬غير شريفة وغير نبيلة‮.. ‬أصمتوا‮ ‬يرحمكم الله ولا تُفسدوا جهادكم في‮ ‬آخر حياتكم،‮ ‬واتركوا شيئا جميلا نذكركم به بعد رحيلكم‮.‬

أذكر موقف الرسول عليه الصلاة والسلام مع حاطب بن أبي‮ ‬بلتعة الذي‮ ‬أفشى سر الرسول عندما جهّز جيشه لفتح مكة وتم كشف الأمر وكان ذلك في‮ ‬عرف الحروب خيانة عظمى،‮ ‬وطلب الصحابة رضي‮ ‬الله عنهم قتله وضرب عنقه،‮ ‬وهناك من همّ‮ ‬بفعل ذلك،‮ ‬فرفض الرسول عليه السلام ذلك وتجاوز عنه وعن‮ ‬غلطته فقال لهم جميعا‮ “‬وما‮ ‬يدريكم لعل الله‮ ‬غفر لأهل بدر‮” ‬فكانت مشاركته في‮ ‬غزوة بدر شافعة له من هذه الخيانة‮.‬

تجاوزوا عن المجاهدين والشهداء لعل تحرير الجزائر وعودتها إلى حظيرة الإسلام والمسلمين وطرد المستعمر الصليبي‮ ‬شافعة لهم‮ ‬يرحمهم الله تعالى جميعا‮.‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • جعفر

    اللي ما عندو ما يخبي ما يخافش النقاش.
    ما يخاف من النار غير اللي في كرشو التبن.

  • bess mad

    من يخشى فتح الملفات أو الطبوهات كما يحلو للبعض ؟ لا أظن أن له أجوبة متشعبة. كتابة التاريخ بموضوعية لا اصطفاف فية بعري المزيف و يزيذ الذهب لمعانا و بريقا . كم خبيث نعم و صال و جال على رفات أسياده و تبنى شجاعتهم و اغترف من مكتسباتهم . لماذا يكره الشباب الحديث عن الثورة لأن الريب طفا على اليقين و أحدث غمامة على البصر و البصيرة فصار المتلقي أو السامع بصاب بطنين الشك على اليقين فينصرف أو يضع إصبعيه في أذنيه.

  • بدون اسم

    تابع
    اقولها كابن المجاهدين و وريث لملكهم الذي ملكوا و لا وريث لأمجادهم الاّ نحن ابناء الشعب الجزائري و أذكّرهم بمقولة الخليفة الراشد الأوّل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بما قاله بعد انتقال نبيّ الله و رسوله الى الرفيق الأعلى من كان يعبد محمّد فانّ محمّد قد مات و من كان يعبد الله فانّ الله حي لا يموت و أكملها من بعد لمّا قال ( اشهد ان لا اله الاّ الله و اشهد انّ محمدا رسول الله و بحقّها ) ضدّ المرتدين و مانعي الزكاة وقتها
    لا أراها الاّ تكذيب و ردّة عن منهج المجاهدين الذين استشهدوا و عن من ينتظر .

  • بدون اسم

    خلال معركة الجهاد الكبرى لم يبقى المجاهدون يراوحون مكانهم بالشتم و السب فيما بينهم عندما تكتشف خلية او يستشهد مجاهدون او تكتشف خططهم للمستعمر بل كانوا اسمى من ذلك واصلوا عمل الجهاد و غيّروا و قوّوا ما ضعفوا فيه و بدّلوا القيادات بتجديدها و تطويرها و رموا الثورة للشعب الجزائري لمبايعة المجاهدين على صنيعم المقدّس
    لا أرى الاّ دخلاء على الشعب الجزائري الذين لم و لن يقدّم لهم البيعة مهما حاولوا سلب ارادته و حريته و طاقاته فالشعب الجزائري يقظ و لا يعجزه المغرّبون او الذين يعبدون فرنسا يتبع

  • لحسن السنوسي

    تابـــع :
    و في ديننا أنه "من ستر عورة فكأنما أحيا موءودة، و من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا"
    و في حِكَمِنا الاجتماعية أنه " ليس كل ما يعرف يقال ".
    خلاصة قولي هي أن ما أوصلنا إلى هذا الوضع، هو تضييعنا لقيمنا الدينية و لثقافتنا الأصيلة الرفيعة، و استبدالنا إياهما بثقافة " كسر الطابوهات "، و الكل يعلم من هم الذين يتزعمون هذه النزعة الشيطانية التي تهدف إلى تدمير الأخلاق، وإعدام الحياء !

    إن " كسر الطابوهات " هو فتح للدَّن، فما عساه يخرج منه إلا ما رآه الفاضل صاحب المقال؟

  • لحسن السنوسي

    تحية طيبة للكاتب والقراء،

    إنها ثقافة " كسر الطابوهات" !

    لا أذكر متى و في أي كتاب أو مجلة أو جريدة قرأت كلاما حكيما عما يسمى بـ " كسر الطابوهات "، خلاصته أن "الطابو" تصنعه الأمم و الشعوب انطلاقا من تجارب سابقة في عمق تاريخها، أوصلتها إلى قناعة أن بعض الأمور ينبغي أن يسكت عنها، لأن الخوض فيها مفسدة صرف، ولذلك تجعلها " طابو" حماية لنظامها القيمي و لتماسكها، و يُشَبِّهُ صاحب هذا الكلام "الطابو" بِـدَنٍّ مغلق، مليء بأشياء كريهة، غير طيبة، أغلق خصيصا لكي لا تنتشر روائحها فتصبح مؤذية... يتبع.