الجزائر
الشروق اليومي تقضي يوما رمضانيا مع حفاري القبور

ثلاث ساعات لحفر قبر واحد صيفا والأفاعي والعقارب تنافس ” البالة والفاس”

الشروق أونلاين
  • 2243
  • 0
تصوير: مكتب قسنطينة

هناك في صمت المكان ومسالمة الأموات، اختار بعض الناس في العالم أن يعيشوا ويعيّشوا أسرهم.. فحتى لو كان المرتب زهيدا جدا، فإن مجالسة الراحلين وخدمتهم تبدو أكثر رحمة من خدمة أحياء لا يرضيهم شيئا ولا يُشبعهم غير التراب الذي هم إليه عائدون، وسيجدون حفار القبور فاتح أبواب الخاتمة وباني القبر مهندسا معماريا لبيت لا بيت بعده..

الحرارة فاقت الأربعين وفي يوم رمضاني تزامن هذا العام مع شهر أوت، إخترنا أن نقضي يوما في مقبرة بعاصمة الشرق، حيث يحيا أناس مع الأموات وبالأموات ولأجل الأموات.. أطفال مهنتهم سقاية القبور وكهول يتخفّون خجلا من مهنة حفر القبور ومتسولون ومتسولات يدركون أن لا قلوب أرأف من قلوب الحزينين الزائرين لذويهم، ومشعوذين يعلمون أن بعض النساء لا مجال لهم للخروج من منازلهن إلا لذرف الدموع على أحبتهن الراحلين إلى الدار الآخرة، فيتلقفوهن بمصيدة خزعبلاتهم.. وفي رمضان بالذات وفي حر شهر أوت، تبدو الأمور مختلفة بين كثرة العمل ومشقاته.

الدخول إلى المقبرة صار الآن مختلطا ولم يعد يحدد للنساء توقيت وللرجال توقيت مغاير، بالرغم من أن أبواب المقبرة تغلق في وجه النساء بعد منتصف النهار، لأجل فترة الدفن التي تبدأ عادة بعد صلاة الظهر.. بقاء المقابر تحت سلطة البلديات العاجزة عن التعامل مع الأحياء فما بالك بالأموات، هو الذي جعل بيوت الراحة عندنا غير مريحة وما قاله المفكر العالمي الكبير وصاحب جائزة نوبل في الآداب “آلبير كامي” عندما زار مقبرة أنيقة في عنابة تطل على شواطئ البحر المتوسط “لقد أثارت فيّ هذه المقبرة شهية الموت”، تبخر الآن وصار الأحياء يخشون الموت بسبب ازدحام المقابر وحالتها البيئية الرديئة.

في المدافن، حيث الأموات توجد حياة قائمة بذاتها، فقبل أن تدخل من الباب الرئيسي تلاحظ في الشهر الفضيل العشرات من المتسولين وخاصة المتسولات بعضهن تمتهن التسول باقتدار وخبرة تجعلك تصدق حاجتهن لرغيف الخبز، والظفر بموقع للتسول قرب باب المقبرة خاصة في أوقات الزيارات أصعب بكثير من الظفر بمكان قرب مساجدنا في رمضان في أوقات الجمعة والتراويح. عامل بالمقبرة أقسم أن بعض المتسولات تجمعن في اليوم الواحد ما يزيد عن 6000 دج، لأجل ذلك لم تكن العلاقة بين المتسولين وعمال المقابر أبدا طيبة، والحديث عن متسولي المقابر الذين تحولوا إلى أثرياء فيه الكثير من الحقيقة فهم لا ينفقون شيئا، حيث يأكلون من إكراميات الزائرين والتي تكون في غالب الأحيان عبارة عن كسكسي مكتنز باللحم والدجاج.. وهو ما جعل البعض يمازح المتسولين بالقول إنه لم ير أجساما مكتنزة ووجوها حمراء دموية مثل أجسام متسولي المقابر الذين يجنون المال ولا يصرفون منه مليما واحدا.. وحتى المتسولات يشعرن بأنهن بصدد ارتكاب جريمة بوقوفهن وتمثيلهن أدوار البؤس، حيث هربن من عدسة الشروق اليومي ورفضن الحديث، ولكنهن رفضن أيضا التفريط في أماكن استراتيجية قبالة الزوار، وكثيرا ما تندلع الشجارات القوية من أجل خطف مكان صار يباع ويشترى بين جماعات التسول التي تعيش من موت الآخرين.. إياك فقط أن تعطيهن كيس حليب للفطور أو خبزة، لأن متسولات المقابر لا تتعاملن إلا بالأوراق النقدية من فئة 200 دج وما فوق؟

أما عالم الأطفال فهو بائس فعلا حيث يدخل الصغار وعمرهم دون العاشرة يحملون ماء وبخورا يتجولون بين المقابر تحت أشعة شمس حارقة قد يصادفون امرأة حزينة تحاور قبرا وتذرف دموعا وتنظف المكان فيسارع إليها الأطفال، ويتسابقون وقد يتعاركون والظافر بالخدمة يسقي النبات المحيط بالقبر وقد يمرر عليه البخور وينزع بعض الحجارة ويبتهج بعد ذلك بمبلغ 50 دج الذي يتسلمه من الحزينة أو الحزين.

أما العالم الأكثر إثارة وسرية فهو عالم حفاري القبور وكيف وصل هؤلاء إلى هاته المهنة الشريفة التي يتوجس منها الجميع ؟.. ففي كل باب مقبرة يصادفك شبه إدارة فيها رجال ينتظرون إشارة الحفر أو إشارة البناء، وفي كل مقبرة لا يزيد عدد الرجال عن الأربعة.. حفار القبور لم تتغير أدوات عمله منذ زمن بعيد فهي “البالة” والفأس أما باني القبر “الماصو” فقدره دائما أن يحمل على أكتافه أو عبر “البرويطة” الرمل والإسمنت والماء وآلات البناء البسيطة.. وتبقى كمية العمل بيد القدر فقد يحل عشرة موتى في اليوم الواحد وقد لا تستقبل المقبرة أكثر من مودّع واحد.. وحفار القبور تصله استمارة إشارة من البلدية، فيختار بنفسه المكان الذي يباشر فيه الحفر وأحيانا يسير حسب هوى أهل الميت الذين يريدون دفن حبيبهم بجوار بقية الأحبة الراحلين.. وتبدو ظروف الحفر في الصيف معقدة ومستحيلة أحيانا، فقد روى لنا عمي محمد كيف أنفق يوم الجمعة الفارط أربع ساعات كاملة في حفر قبر واحد بسبب تصلّب الأرضية وتحجرها بسبب الحرارة التي فاقت تحت الظل 45 درجة، فما بالك تحت أشعة الشمس. وهناك من أنهكه العمل في هذه الحرارة خاصة في الجنوب، فكان مصيره الإفطار لأن عدم الشرب هو انتحار وإلقاء بالنفس إلى التهلكة.. عمل حفاري القبور يتواصل من الثامنة صباحا إلى الثالثة ما بعد الزوال، وإذا كانت فسحتهم العملية هي فصل الشتاء الماطر، حيث لا يزيد زمن الحفر وتوضيب القبر عن نصف ساعة، فإن الصيف هو جحيم العمل بالنسبة لهم، وضارب الفأس يصبح مثل الذي يحاول نحت الجبال ومع أنه لم يسجل أي حادثة لدغ خطيرة باستثناء ما وقع في مقبرة بئر العاتر بولاية تبسة عندما لدغت عقرب أحد حفاري القبور، وكاد يلقى مصرعه حيث كان يباشر الحفر لوحده، فإن مقابرنا كلها من دون استثناء مسكونة بالأفاعي التي يتعدى طولها المترين والعقارب وحتى الجرذان.. ويبقى السؤال الذي اختلفت فيه إجابة حفاري القبور الذين حاولنا معهم معرفة غذاء الأفاعي والعقارب في هاته المقابر الجزائرية إن كان من لحوم موتانا أم لا؟ ولكن الغالبية قالت إن الثعبان يستحيل عليه بلوغ جثث الموتى إلا في حالات نادرة؟

أن تكون شقيقا أو أب حفار القبور.. أو أن تكوني إبنة أو زوجة حفار القبور.. كل ذلك يهون لكن وضعيتهم الاجتماعية فعلا بائسة فأجرهم القاعدي لا يزيد عن 9000 دج وهم يتقاضون عموما ما بين “16000 دج و17000 دج” وقد وجدنا حفارا للقبور بعد 24 سنة من الأقدمية يتقاضى 18000 دج فقط  وهي لا تكفي للصوم فما بالك بالإفطار، وبدأ من الآن حزن العيد يخيّم على حفاري القبور الذين يقال إن لا وجهة لهم سوى سوق الشيفون.. يقول عمي النوي “تضاريس مقابرنا الوعرة وغير المنبسطة تجعل عملنا صعبا فأحيانا حتى البرويطة لا يمكنها التحرك في الصواعد والنوازل، فنجد أنفسنا مجبرين على حمل كيس الإسمنت الثقيل جدا مسافات قد تقارب نصف كيلومتر وفي حرارة تقارب الخمسين”.. وحتى “الإكراميات” في مهنة حفار القبور أو بانيها معدومة، ويشرح عمي الطاهر ذلك بتفصيل دقيق “عندما تصلني إشارة حفر قبر أتجه لعملي وهو روتيني، حيث كل القبور سواسية بمعنى أن أهل الميت لن يطالبوني بقبر واسع أو أنيق فكل القبور متشابهة، لأجل ذلك من النادر جدا أن نرى تلقي حفار القبور لأي نوع من الإكراميات”.. أما عن كيفية ولوجهم هذا العالم الغريب فهم يمتهنونه من دون أي تربص أو تعلم، فالحفر يتطلب الصحة والصبر وفقط، لأجل ذلك بقيت الإدارة في مختلف البلديات تنظر إلى ممتهني حفر القبور على أنهم أميون، وكأنها تقدم لهم “مزية” بهذا الراتب الزهيد وأدخلتهم عالم العقد النفسية فصاروا يخجلون من مهنتهم وكأنهم يرتكبون الجرائم ويخافون من الكلام في عالم مهني تذكّرهم الإدارة فيه دائما بأنهم يمتهنون السهل الممتنع الذي بإمكان الجميع ممارسته وتعويضهم لا يوجد أسهل منه.

مأساة هؤلاء الاجتماعية تبدو أقل حدة من مآسيهم النفسية، فيكفي القول إنهم حفّارو القبور لينفر منهم بعض المجتمع، ويكفي القول إن حياتهم مع الموتى لينوء بجانبه عنهم بعض الأحياء.. سألنا عمي الطاهر وهو منكب على بناء قبر رحل ساكنه عن دنيانا منذ 24 ساعة عمّ إذا يفكّر ويتيه وهو يجالس ميتا لا ينطق فقال ..”مشكلتي أنني لا أتذكر الموت أبدا مع الموتى وأتذكرها بمجرد أن أغادر المقبرة”، سألناه إن كان قد أحس يوما بالخوف وهو يبني قبر الراحلين فرد بسرعة “أنا أخاف من الأحياء أما هؤلاء المسالمين فلا خوف منهم”.. وأكمل “لا نشعر بالخوف إلا بخروجنا من المقبرة حيث مشاكل الحياة وصراع لقمة العيش”.

خرجنا من المقبرة وكانت أشعة الشمس في يوم رمضاني مستحيل قد بلغت قمتها الحرارية وتركنا الحفارين يرحبون بوافد جديد قد يكون من الأثرياء أو المسؤولين الكبار وقد تكون من حسناوات المدينة.

المهم أن الجميع مجبر على أن يمر عبر هذا الجسر المؤدي إلى الدنيا الأخرى وهي حفارة القبور.

مقالات ذات صلة