الرأي

ثورة العقول المسطَّحة على المصفوفة

حبيب راشدين
  • 10019
  • 2

قبل أقلّ من أسبوع من استلام ترومب البيت الأبيض من أول رئيس أمريكي أسود عمَّر فيه عهدتين فخرَّب أكثر من بلد، يحتفي جزءٌ من البشرية المغيبة عقولها بوصول رجل قالت المخابرات الأمريكية إنه خريج عملية تزوير قادها الروسي بوتن، وكان أحرى بالمؤسسة الأمريكية أن تقول إنه صنيعة فضائح نُخبها التي لم يعُد إعلام “الماينستريم” قادرا على إخفائها، كان آخرها فضيحة “بيزا غيت” التي هزمت آل كلينتن.

وقبل أن ينقلب الناخب البريطاني والأمريكي على الإعلام الذي غالى في “تسطيح” عقول الناس بروايات كاذبة لا تُصدَّق منذ التسويق الناجح لنزول بشري “مستحيل” على سطح القمر، ومسرحية أحداث 11 سبتمبر 2001، ومسلسل العمليات الإرهابية تحت الرايات الكاذبة، كان الإعلامُ الشعبي المتحرِّر على الشبكة قد فتح أكثر من جبهة “مراجعة واستدراك” على ما يُنشر تحت عهدة السَّاسة والعلماء من أكاذيب حول جائحات دورية من جنون البقر وحتى انفلونزا الخنازير والترهيب بالاحتباس الحراري…

آخر جبهةٍ فُتحت على المؤسسات الرسمية السياسية والعلمية سبقت انتخاب ترومب بأكثر من سنة، إذ انطلقت منذ 2015 حملة متنامية على الشبكة تراجع مسلَّمات المؤسَّسات الأكاديمية ومنها “كُروية الأرض” وتروِّج لرؤيةٍ بديلة تدَّعي ما كان يُقال قبل كوبرنيك حول الأرض المسطّحة، مشفوعة بروايات وتجارب قد تغري العامة بتقبُّلها، أو هي محض نكاية في المؤسَّسة الأكاديمية، كما نشأت جبهاتٌ موازية تكذِّب وجود سلاح نووي بالمرة، وتقدِّم أكثر من دليل معقول ومحسوس على ما تخفيه المشاريع الفضائية من كذب يفضحه ما هو معلوم من استحالة خروج الإنسان خارج المدار الأدنى للأرض (ما بين 400 و500 كلم) قبل أن ترجمه “أحزمة فان ألين” بأشعة غاما القاتلة.

غير أن المعركة التي بدأ الإعلامُ الشعبي يكسبها ويبكت المؤسسات الرسمية بشأنها، هي بلا شك المعركة حول “الرايات الكاذبة” التي يحرِّك تحتها “إرهاب رسمي” موجَّه، تشترك فيه معظم النخب الحاكمة في العالم، كما حصل مع أحداث 11 سبتمبر 2001، ثمَّ مع النُّسخ الهزيلة له في أوروبا، كان آخرها عمليات الدهس بالشاحنات المنسوبة لمسلمين في نيس وبرلين، حيث كشف مختصُّون في الشبكة تزويرها وفبركتها بالفوتشوب.

أكثر من دراسة جادَّة تفيد اليوم أن عدد الساعات التي يقضيها الشباب في العالم على الشبكة تفوق بكثير مقدار تعرُّضهم للإعلام الرسمي، حتى مع تعاظم إجراءات الضَّبط والمراقبة وإغلاق المواقع التي تتخذها الحكومات الديمقراطية قبل الأنظمة الشمولية، وثبُت استحالة ترويض الإعلام الشعبي كما روَّض الإعلام التقليدي بالجزرة والعصا.

ولأنَّ الأنظمة والمؤسسات الرسمية: السياسية، الفكرية، الأكاديمية قد غالت في سياسة تسطيح عقول البشر فإن “العقول المسطَّحة” قد بلغت الحد الذي يسمح لها الآن بالإفلات من خيوط المصفوفة، والدخول في ثورة جامحة على كل ما يصدر عن المؤسَّسات الرسمية: الصادق منها والكاذب، حتى أن أخطر ما بات يهدِّد المصفوفة هي هذه الملايين من “الإليكترونات الحرَّة” المنطلقة في كل اتجاه في تفاعل يشبه التفاعل النووي، وقد بلغت كتلته مع مطلع هذه الألفية “الكتلة الحرجة” التي لن يقوى أحدٌ على منع انشطارها إلا إذا اختار أرباب المصفوفة قطع حبال شبكة كانوا قد أعدُّوها لصيد العقول الرخوة المسطَّحة ليرتدَّ عندئذ كيدُهم إلى نحورهم.

مقالات ذات صلة