الرأي

ثورة نوفمبر تهان في ديسمبر

حبيب راشدين
  • 2071
  • 11

إذا لم تتمكن الجزائر من فك الارتباط مع منظومة المحتل السابق فرنسا، وهي مالكة لأدوات الانعتاق السياسية، والمادية، والأخلاقية كما هو حالها اليوم، أمام قوة فقدت الكثير من مقومات القوة، ودولة غير قادرة على التحرر من مخلفات الذهنية الكولونيالية، فسوف نورث الجيل القادم من الجزائريين تبعية مهينة، وغير مبررة لمستعمر قديم، يأكل من غلال المستعمرة القديمة، أضعاف ما كان ينهب منها وهي تحت إدارته المباشرة.

الزيارة الأخيرة للوزير الأول الفرنسي تكشف استمرار مفردات هذه المعادلة المختلة، التي لم تكن منذ الاستقلال لصالح الجزائر دولة وشعبا، لا على المستوى السياسي، ولا على أي مستوى آخر: اقتصادي، علمي، ثقافي أو انساني.

فقد كان يفترض أن تستغل الجزائر استعادة استقلالها المالي، وتحررها من المديونية التي عبثت بها فرنسا بالطول والعرض، لتعيد توجيه علاقاتها مع المستعمر القديم، وتحمله على مراجعة سياساته المعادية للجزائر في كثير من الملفات السياسية، ليس أقلها شأنا موقف فرنسا العدائي في الملف الصحراوي، وسعيها إلى تصنيع بؤر غير مستقرة على حدودنا الغربية والشرقية والجنوبية.

فقد كان بوسع الجزائر أن تضغط في اتجاه ربط مواصلة تعزيز العلاقات، بملف اعتراف الدولة الفرنسية المسبق بجرائم الاحتلال، وما يتبعه من اعتراف تاريخي رسمي، وتسوية عادلة لملف التعويضات، وتطهير سلوك الدولة الفرنسية من مخلفات الثقافة الاستعمارية، قبل البحث في رسم علاقات متوازنة لصالح البلدين والشعبين.

الحال أنه، وفي الوقت الذي كانت السلطة الجزائرية تعبث بوجدان مواطنيها، وتهدد باستظهار ملف حقبة الاستعمار، وكان برلمان الطرف الآخر يشرع لتمجيد الاستعمار وجرائمه، كانت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين تشهد أفضل أيامها، بشهادة وزير التجارة الجزائري، الذي صرح أول أمس: “أن المبادلات التجارية الثنائية تضاعفت في السنوات العشر الماضية، لتقفز من حوالي 6 ملايير دولار سنة 2003، إلى 12.6 مليار دولار في 2012”.

وفي جهة ما، تكون الحكومة الجزائرية قد ساهمت بالأموال الجزائرية في تمويل الآلة الحربية والسياسية والدبلوماسية الفرنسية، التي تجتهد بالمكشوف لتخريب أمننا القومي في الإقليم، فضلا عن أعمالها التخريبية للجبهة الداخلية التي لم تتوقف منذ الاستقلال.

كل هذا لا يبدو انه قد أرضى فرنسا، التي لم تخف مع ذلك مخاوفها من المنافسة الصينية على الغنائم في “حديقتها الخلفية”، والتي تقلق الطرف الفرنسي كما صرح بذلك الوزير الفرنسي للتجارة الخارجية، الذي طالب السلطات الجزائرية بـ”الشفافية والنزاهة” في هذا الملف، في عبارة تخرق الأعراف الدبلوماسية، هي أقرب لاتهام صريح للمسؤولين الجزائريين بتعاطي الرشوة لتسهيل الأمور على المقاولين الصينيين.

 

والواقع أنني أجد نفسي مضطرا إلى دعم مطلب الوزير الفرنسي، شريطة أن نبدأ بإخضاع الصفقات المبرمة مع الطرف الفرنسي إلى مبدأ الشفافية والنزاهة، وسوف نرى وقتها هل ستكون فرنسا العجوز قادرة على الدخول في “منافسة شريفة ونزيهة” دون الحاجة إلى دعم من تحت الطاولة لعملائها من “حزب فرنسا”.

مقالات ذات صلة