الرأي

ثُقَبٌ في العباءة الفلسطينية

عبد الرزاق قسوم
  • 701
  • 0

ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن تسوده الضبابية، ويعتم أفقه الظلم والظلامية، إلى حدٍّ تنقلب فيه المفاهيم، وتتناقض فيه التعاليم؛ ففي الوقت الذي كانت فيه كل الأنظار متّجهة إلى المعركة المصيرية الحاسمة التي يخوضها مجاهدو القسام، وفي الوقت الذي لاحت فيه أولى خيوط فجر الشام، بعد إسقاط طغيان الاستبداد، وغطرسة النظام.

في هذا الوقت بالذات، تطل علينا من جنين بالضفة الغربية، ثُقَب في العباءة الفلسطينية، يتسلل من خلالها رصاص ما يعرف بالسلطة الفلسطينية، تصطاد به المقاومين للاحتلال، وتفتك بكل من يرفع رأسه من الرجال.

تبارك الذي جعل في جيل أبي عبيدة والسنوار، من يتصدى بعدهما للمقاومين الأحرار، على أيدي عصابات من الأشرار، توجه أسلحتها إلى صدور المقاومين الأغوار.

كان شعبنا العربي، ومن خلاله أمتنا الإسلامية يقومون بتضميد الجراح في ساح البطاح، ويتوقون إلى بعض الإنشراح، بعد سقوط عهد الصنمية في الشام، وتحرير الأبرياء من سجون الشبيحة الأزلام، وانبثاق عهد يكون أمنا، ووئاما وسلام.

قامت سوريا الجريحة، تضمّد ما أحدثه النظام الفاسد من تقتيل، وتعذيب، وتغييب، وبينما كان القادمون الجدد إلى حكم سوريا، يقومون بترتيب الأمور، وتحرير الناس من خوف الصدور، يغتنم العدو الصهيوني الغادر، فرصة هشاشة النظام، لينقضّ على مختلف أسلحة الدفاع، كنوع من الانتقام.

وفي الوقت الذي كان فيه الأبطال المقاومون من الفصائل بقيادة سرايا القدس  والقسام، يكبّدون العدو الخسائر الجسام، يقدم العدو الجبان على احتلال أجزاء من أرض الشام بمباركة من حلفائه المتواطئين معه.

وبدل أن يلتئم جميع الفلسطينيين في خندق واحد ووحيد، هو خندق المقاومة، يشذّ عن هذه القاعدة، أفراد السلطة الفلسطينية، فيجهزون على مخيم جنين، ويصطادون المقاومين، وبتسليح وتكليف من الصهاينة المعتدين.

نعم –واخجلاه- يجري كل هذا في ظل صمت عربي مشين، وخذلان إسلامي مهين.

وفي حين تتحرك شعوب دول غربية أوروبية وأمريكية، منددة بالإجرام الصهيوني، يسود الصمت مؤسسات الجامعة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، وهيئة الاتحاد الإفريقي، وغيرها.

ولسائلٍ أن يسأل: أيعقل أن يتصدى للمقاومة في جنين أناسٌ ينتمون إلى السلطة الفلسطينية؟

هناك ألغازٌ محيرة في ما يحدث في مخيم جنين بالضفة الغربية، فأيّ لعنة لحقت بالحاملين شعار “إقامة الدولة الفلسطينية”؟ وما الذي أصاب مناضلي حركة “فتح” بالذات للانقلاب على إرادة الشعب الفلسطيني، وطعنه في الظهر، وموالاة الأعداء في خذلان، وعمالة، وخيانة، هي نوع من العهر؟

كنا نظنّ أن النصر الذي لاحت بشائره من غزة، ومن سوريا، هو بداية الطريق، فإذا بنا نصدم بانقلاب الشقيق على الشقيق ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الزخرف، الآية 67].

وكنا نظن -وبعض الظن ليس إثما- أن الفلسطيني حيثما كان، وفي أي زمان، ومهما كان موقعه، لن يكون له من ولاء بعد الله إلا ولاء الأوطان.

الفلسطيني لا يذكر الله إلا مقرونا بالدعاء لصانعي التضحيات، والوفاء للوطن، فما بال بعض الفلسطينيين شذوا عن القاعدة، وخانوا المبادئ، وأقبلوا على المعتدين يصافحونهم، ويعانقونهم، ويقاسمونهم المخدّة، والمائدة، ويقدمون لهم الشاردة والواردة؟

إن من علامات قيام الساعة، أن يُشهر الفلسطيني، سلاحه في وجه أخيه، تطبيقا لأوامر أعدائه، ومحتلي أراضيه.

وإنَّ من الكبائر، في ثوابت الأوطان، أن يلتئم في خندق واحد، الدخلاء، والعملاء، ليطاردوا المقاومين الشرفاء.

وإخوان حسبتهم دروعا     فكانوها، ولكن للأعادي

وخلتهم سهاما صائبات      فكانوها، ولكن في فؤادي

سبحانك اللهم، تجلّيت على قوم بنعمتك، فبعثت فيهم الفدائي الزعيم المغوار، من أمثال أحمد ياسين، وإسماعيل هنية، والعاروري، وأبو إبراهيم يحيى السنوار… وتجليت على قوم آخرين، بالنقمة، فمسختهم إلى متواطئين مع المعتدين، يوطئون لهم أكناف البيت، مقابل المال والنفوذ والصيت.

إن مما يسلّم به كل عاقل من بني البشر، أن الوحدة هي أساس العمل من أجل النصر، فكيف شذّ عن هذه القاعدة، رجال كنا نعدهم من المناضلين الثوار؟

فليعلُ من يعلُ، ولينزل من ينزل، فإنّ النصر سيكون حليف المخلصين، لهذا الوطن الفلسطيني، ولإسلام هذا الوطن، ولأمة هذا الدين.

سبحانك اللهم، تجلّيت على قوم بنعمتك، فبعثت فيهم الفدائي الزعيم المغوار، من أمثال أحمد ياسين، وإسماعيل هنية، والعاروري، وأبو إبراهيم يحيى السنوار… وتجليت على قوم آخرين، بالنقمة، فمسختهم إلى متواطئين مع المعتدين، يوطئون لهم أكناف البيت، مقابل المال والنفوذ والصيت.

إن مما يسلّم به كل عاقل من بني البشر، أن الوحدة هي أساس العمل من أجل النصر، فكيف شذّ عن هذه القاعدة، رجال كنا نعدهم من المناضلين الثوار؟

فلحكمةٍ يعلمها الله، أن يبعث في وجه الصهاينة المعتدين، من يذيقهم الخوف الشديد بعد غزة، وجنين، رجال أولو بأس شديد، من اليمن السعيد، يزرعون فيهم الرعب والفزع، فيبعثون عليهم أسلحة متطورة، تعجز وسائل دفاعهم، وقبتهم الحديدية المتطورة عن التصدي لها، فيحدث في الأعداء هلع وفزع.

وإن من حكمة الله أيضا، أن يخرج من أطلال غزة التي خرّبها الأعداء، أن يخرج منها استشهاديون، يوقعون في الصهاينة القتل والدمار.

فيا إخواننا في فلسطين، مهما تضاعفت تضحيات مجاهديكم، ومهما تزلّفت سلطات خائنيكم، فإن الاحتلال إلى زوال، وإن البقاء لن يكون إلا لمبادئ المجاهدين الأبطال.

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[سورة آل عمران، الآية 139].

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾[سورة الشعراء، الآية 227].

إننا من موقف التجارب المريرة، التي عشناها مع المعتدين الغاشمين، الذين خرّبوا قرانا ومداشرنا، وروعوا نساءنا وأطفالنا، فقد أصبح العدو في خبر كان، ومنّ الله على الذين استُضعفوا في أرضهم، فجعلهم أئمة، وجعلهم الوارثين.

وها هي أعلامنا مرفوعة، وكلمتنا مسموعة، وجزائرنا متبوعة، ومبادئنا عالية ومطبوعة.

ألا فليتّعظ إخواننا في سوريا، وإخواننا في فلسطين، وباقي إخواننا في السودان، وفي ليبيا، وفي كل أجزاء المعمورة، أن التضحيات مهما تجسمت، وتضخمت، وأن الشدائد مهما ادلهمّت، فإن الليل سيعقبه الصباح، وإن الضيق سيتبعه انشراح.

ونهمس في أذان المقاومين، أن اتّسموا بالحذر، والحيطة، والحكمة، فاليهود كما عرفتموهم لا أمان ولا إيمان لهم، وأنهم ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم﴾[سورة البقرة، الآية 100]، ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾[سورة محمد، الآية 4].

مقالات ذات صلة