-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جاءت فلسطين.. فليغادر العرب والمسلمون دائرة الفتنة

صالح عوض
  • 1309
  • 0
جاءت فلسطين.. فليغادر العرب والمسلمون دائرة الفتنة

عندما انتصرت الجزائر وهزمت الحلف الأطلسي وطردت فرنسا بجيشها وإدارتها، اهتزّ الوعي والضمير في المنطقة كلها، بل وفي القارات آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وحدثت حالة النهوض التي تكلّلت بانتصار حركات التحرر التي استلهمت من ثورة الجزائر روحها ورؤيتها وقوانينها.. وهاهي فلسطين تجيء بكل جلالها وجمالها وكمالها واحدة لا تقبل تشويهاً، وناهضة لا ترضى بخنوع، وفتيّة ترفض العجز والتسوّل..

هاهي الفرصة التاريخية تتجدّد للعرب والمسلمين والأحرار في العالم، فكم كان العرب بحاجة إلى نهوض فلسطين ومجيئها مشرقة بعنفوانها وبركاتها، فذلك وحده الكفيل بإسقاط دعوات الفتن وإلغاء الحروب الحرام ودفع العرب والمسلمين والأحرار في العالم إلى معركة الإنسان ضد الجريمة والعنصرية.. أجل إنها فرصة ذهبية.

في خضمّ الصراع الدائر بيننا والغرب الاستعماري، أصاب جسد الأمة إرهاقٌ شديد وكادت روحها تُهزم، فانبرى فريقٌ من أصحاب الكلام الأجوف واللغة المبعثرة يشيّعون اليأس والقلق والانهزام والعبث في المقدّس في صفوف الأمة التي أوغل الألم في وجدانها وقام الأشرار بإقحامها في متاهة الصراعات الداخلية الدامية..

وهكذا ظنّ بعضنا أنها النتيجة الحتمية: الهزيمة على صعيد النهضة والاستقلال الاقتصادي والعلمي بإفشال محاولات النهضة العلمية الصناعية واستثمار ثرواتنا. وعلى صعيد الوحدة والتكامل، أصبح القطر الواحد قيد رسم التشظي على مكوناته العرقية والثقافية والجهوية ومحاولات رهيبة لتكريس الحدود العنصرية الصراعية بين مكوّناته. وعلى صعيد فلسطين، خضع حكام العرب، وأعلنوا بجلاء أنهم يقبلون بالتنازل عن 80 ٪ من أرض فلسطين، ولاحقت إسرائيل بقية الأرض تستوطنها وتهوّدها، وإلى القدس تغيّر معالمه وتنتهك حرمات مسجده الأقصى.

وبعد أن انشغلت الأمة في جبهات صراعها الداخلي المفتعل، أصبح الأمر الواقع يقول: إن الوقت ليس هو وقت فلسطين وقضيتها.. وانقسم الجمع على اختلاف أولويات زادتهم بُعداً عن فلسطين، وبالتبعية بُعداً عن الخروج من الفتن، فمن قائل إن الأولوية الآن لمجابهة النظام الفلاني أو الجهة الفلانية، إلى قائل إن الأولوية الآن لمواجهة التكفيريين والإرهاب.. وقانون الحياة يقول: لا تزيد الفتنة المشكلة إلا تعقيدا ولا تبقي الفتنة لأصحابها بقيّة عقل وتركبهم سفن الجنون والانتحار الذاتي.. وأصبحت مقولة إنه لا يمكن الطلب من العرب الاهتمام بفلسطين فيما بيوتهم تحترق مقولة يكررها “الواقعيون”.. وهو قول محض جهل بحقيقة إسرائيل ودورها فيما يحصل في المنطقة وموقعها مما يحصل لبلاد العرب كما أنه غباء وإغفال لما لفلسطين من دور في توحيد الأمة بكل أطيافها وأحزابها وقومياتها واجتهاداتها.. وعدم إدراك أن التفكير بفلسطين يقود إلى التوحيد والتسلح والتصنيع والتعبئة.. فإذا بالكارثة تسير نحو التعمّق كلما ابتعد العرب عن فلسطين، لأن استمرار وجود الكيان الصهيوني في فلسطين يعني بوضوح استدعاء التجزئة والتفرقة والتبعية والردة والفتن المتتالية في بلاد العرب والإسلام..

كانت ولازالت فلسطين قادرة على فكّ التشابك الفكري وعلى إعادة ترتيب أفكارنا وأولوياتنا كأمة وأقاليم، كما أنها تشير إلينا بوضوح لترتيب أشيائنا.. وتغييبها يعني فقداننا الكاشف الذي يحدد لنا أطراف الصراع ودروب التيه والضياع.. كما أن تغييبها يغطي كثيراً من الطعنات تتسلل إلى ظهورنا من حيث لا نعتقد.

كم أخطأ النظام العربي عندما اعتقد أنه بإمكانه صُنع “سلام” مع إسرائيل، وكم ارتكب جريمة وهو يقدّم شرعية لوجود الكيان الغاصب.. وكم غاب عنه الوعي عندما هادن إسرائيل وانتكس إلى وضعه الداخلي يكمم الأفواه ويلاحق المخالفين ويفرض سجناً على أبناء البلد ويخوض أو يضطر لخوض حروب الفتنة..

كم أخطأ النظام العربي وهو يصرف الشعوب إلى الابتعاد عن الاشتباك لإنهاء الخطر الاستراتيجي المتمثل بالكيان الصهيوني الذي يقوم، فضلا عن جريمته باغتصاب أرض العرب والإسلام، بدورٍ مركزي في تخريب حياة الأمة على أكثر من صعيد أمني واقتصادي وسياسي.. فكلنا يعرف كيف كان دور الموساد الإسرائيلي في قضية انفصال الأكراد في شمال العراق، ودور الموساد الإسرائيلي في شق جنوب السودان عن شماله، وفي اشتراك المؤسسة الإسرائيلية الأمنية في الصراع الدائر في سوريا، كما كان دورها في الحرب الأهلية اللبنانية، ولم يعد خافيا ما تقوم به إسرائيل في القرن الإفريقي وباب المندب والحزام الإفريقي على الدول العربية، وما تمثله إسرائيل من أخطار حقيقية على الأمن والاقتصاد والعلوم في بلاد العرب والإسلام..

كم أخطأ النظام العربي عندما اعتقد أنه بإمكانه صُنع “سلام” مع إسرائيل، وكم ارتكب جريمة وهو يقدّم شرعية لوجود الكيان الغاصب.. وكم غاب عنه الوعي عندما هادن إسرائيل وانتكس إلى وضعه الداخلي يكمم الأفواه ويلاحق المخالفين ويفرض سجناً على أبناء البلد ويخوض أو يضطر لخوض حروب الفتنة.. إنه حينذاك يكون قد سلَّم الكيانَ الصهيوني والإدارات الغربية رقبته ورهن مصيره بإرادة الصهاينة يذبحونه وقتما قدروا إن كان في ذلك مصلحة لهم.. وهنا تتجسد لنا ثلاثة أمثلة في غاية الوضوح.. الأول: النموذج المصري الذي ذهب إلى الصلح مع إسرائيل ظنا بأن هذا سيُنقذ مصر ويؤمّنها ويحقق لها رفاهاً اقتصادياً فكانت النتيجة ما نرى.. والنموذج الثاني: العراق الذي صُرف عن محاربة إسرائيل إلى حروب الفتنة مرة ضد إيران وأخرى ضد الكويت.. فماذا كانت النتيجة إلا ما نشاهد اليوم؟.. والنموذج الثالث: سوريا حيث أوقفت حربها مع إسرائيل عقوداً من الزمن، وأخرجت المقاومة الفلسطينية من لبنان، فدفعوها إلى حرب الفتنة العمياء، فماذا كانت نتيجة ذلك؟ إن دماراً لحق بسوريا أضعاف ما كان يمكن أن يحدث في حرب مع إسرائيل.

تطلّ الفرصة الآن من خلف الحجب شمسا في كامل الوضوح.. تطل ليس كجملة ثقافية وفكرة فقط .. بل وممارسة ميدانية تجعل من الفكرة حياة تسري في دماء الشعب والأمة، ذلك لأن أمتنا لا تعير أهمية للفعل الناقص والجُمل الناقصة أو شبه الجملة.. الأمة تحب أن تقرأ كتابها بوضوح بآيات معجزات وأدلة بيّنة.. هكذا تعودت أمة القرآن، فهاهي فلسطين قلب الأمة التي كانت معراج نبيها إلى السماء، معراجها إلى المجد، تعلن خروجها من تحت أنقاض الرؤى المشوّهة والبرامج المعوجة.. تخرج في أكفّ شباب لم تحطّمه ثقافة الانقسام والانتكاس الرديء.. شباب لم يشرب إلا من روح فلسطين ولم يعجن دمه إلا بطينها.. شباب انبعث وفلسطين تجلله كبرياءً وجمالا ونُبلا.. ويصبح القدر هنا زمناً للمنتصرين المقدامين واندحاراً للرعاديد الجبناء العنصريين المجرمين.. في ضوء هذه المعركة وعلى صدى قرقعة السلاح وأزيز الرصاص يشرق وجه فلسطين كما عرفها ضمير الأمة وتشرّبتها روحها.

إنها فرصة ذهبية لنجاة الجميع من الفتنة.. إنها فرصة تاريخية للجميع أن يوحِّدوا الصفوف ويلغوا الاصطفاف ليحموا بلادهم من الشر الصهيوني باجتثاث الكيان الصهيوني من على الأرض المباركة.. ما نقوله ليس حلما بل سبيلا للانتصار وسيأتي رجاله عما قريب.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!