الشروق العربي
الطفل الظاهرة محمد عبد الله للشروق العربي:

جائزة تحدي القراءة العربية تطبيق حرفي لأمر رباني “اقرأ باسم ربك”

الشروق أونلاين
  • 8457
  • 2

بهذه النسمات، فاجأ الطفل محمد عبد الله فرح، متابعي مختلف القنوات العربية، الذين سرقهم الفضول، لمشاهدة الطفل المعجزة، الذي خاض أكبر تحد في أمة اقرأ، التي لم تعد تقرأ، رفقة قرابة أربعة ملايين قارئ عربي، تنافسوا لأجل القراءة وأيضا على مبلغ 150 ألف دولار أمريكي، فكانت الغلبة بالضربة الفنية القاضية لطفل جزائري، في سن السابعة، ولكنه في الحقيقة في سن أكبر من الملايين من العرب الذين جعلوا القراءة بالنسبة لهم آخر اهتماماتهم، بالرغم من أن أول آية نزلت على أمة الإسلام في القرآن الكريم، كانت اقرأ باسم ربك الذي خلق.

الشروق العربي زارت التلميذ عبد الله محمد، في بيته المتواضع، في الطابق الخامس في أحد أفقر الأحياء في الوحدة الجوارية رقم 14 في المدينة الجديدة علي منجلي بقسنطينة، وتنقلت بين حجرات مدرسة زيادي بطو، التي يجهل أهل قسنطينة موقعها، فما بالك ببقية الجزائريين، قبل أن تتحول إلى واحدة من أشهر المدارس على المستوى العربي، بفضل التلميذ الذي يتمدرس في السنة الثانية ابتدائي، وهو يكاد يتفوق على الجامعيين بثقافته العالية، وما يُخزّن في صدره من ثقافة، تجلت في فوزه المزلزل على الكبار والمثقفين، في مسابقة تحدّي القراءة العربية.

عندما سألنا محمد عبد الله، وكان برفقة والده الإمام عبد القادر، ووالدته المرشدة الدينية، عن اسمه بالكامل، قال وبراءة الأطفال في عينيه: أحب أن ينادوني باسم أبو عبد الله، ولكن إن أردتم أن تنادوني محمد، فذاك اسم حبيب الله، وعبد الله اسم والد حبيب الله وفي كل الأحوال أمتن لوالدي ووالدتي باسمي الفاضل، الذي تبخترت به، وهم ينادوني محمد عبد الله، أمام الملايين من المشاهدين، في حفل كان يعني التتويج بتحدي القراءة.

يعيش محمد عبد الله، مع والديه وشقيقيه حياة علم لا يكاد يتخلف فيها الكتاب عن أيدي أفرادها، حتى تتخيل نفسك في مكتبة وليس في بيت صغير.

سألنا الصغير، ما الذي ستفعله بمائة ألف دولار، تسلمتها من المشرفين على الجائزة، إضافة إلى خمسين ألف دولار، تم صبّها في حساب الوالدين الكريمين، اللذان قاما بتربيتك ومساعدتك على بلوغ الدرجات العليا، فقال في قمة البراءة والبلوغ والمسؤولية، أيضا: على الإنسان أن يستعمل المال للعلم، وليس العكس، لم اقرأ في حياتي من أجل 150 ألف دولار، وعندما حصلت على هذا المبلغ فلأجل أن أقرأ أكثر.

نظرة فابتسامة فدموع من أمّ محمد عبد الله؟

خلال لقائنا بالطفل محمد عبد الله، وكانت التكريمات تتهاطل عليه من كل الجهات، وفي لحظة وجدانية قوية جدا، التفت الطفل إلى أمّه الفاضلة ونظر إلى عينيها قارئا أشهرا من الكدّ، فاحتضنته بقوة إلى صدرها، فأمسك بيدها اليمنى، وراح يقبّلها، عدة مرات، ويضع في كل مرة كفّها على جبينه، فامتزجت دموع الأم بدموع ابنها، ونسيت الأم التي تسلمت رفقة زوجها وابنها من وزارة الأوقاف مؤخرا، تذكرة للسفر إلى البقاع المقدسة لأداء مناسك العمرة، نسيت، كل من حولها وأجهشت بالبكاء، إنها حكاية أم تعيش لأبنائها لقنتهم كل الدروس، وقد وعدت بأن يحفظ محمد عبد الله، وتحفظ رفقته، كتاب الله في خطوة علم قادمة، أما الطفل محمد عبد الله والدموع تسافر في عينيه فقال بالحرف الواحد: “لا تخطئوا، أرجوكم فلست أنا الفائز بالجائزة أو على الأقل لست وحدي من فاز بالجائزة، وإنما أيضا، أمي وأبي فربما تعبا أكثر مني”.

وهنا استدارت الأم نحو ابنها فلذة كبدها، وضمته مرة أخرى، وكانت هذه المرة لشكره، وللتعاهد، على أن يعيشا للعلم سويّا حتى تتحقق أحلام الأم، وأيضا أحلام الابن محمد عبد الله.

طوال الوقت الذي جمعنا، بعائلة الطفل الظاهرة، كان يكرّر محمد عبد الله بأن الجنة تحت أقدام الأمهات، وبأن المدرسة الحقيقية، هي الأم التي إن أعددتها أعددت جيلا طيب الأعراق، وكانت الأم تردّ، بفخر، لا حدود له: بأن الجنة لا معنى لها من دون الولد الصالح، والمدرسة، لا معنى لها من دون التلميذ الناجح.. عندما تسمع هذا الكلام، تتقن بأن شيئا قويا، يبنى في هذه الأسرة الفاضلة.

 ثقافة الطفل النابغة، امتدت من خلال حياته، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، فهو حفيد لجدّ يقطن في عاصمة الشرق الجزائري، وجدّ آخر، يقطن في عاصمة الغرب الجزائري، ويقول الطفل للشروق العربي، عن جديه: إنهما نعمة لا يدركها إلا من عاش مع الجد، وقد خصّه الطفل النابغة، بقصة جميلة بعنوان سيد الرجال، حيث تنقل إلى وهران وروى قصة فلاح ناجح، وهي قصة مثيرة، يتحوّل فيها عرق الجد الكادح، لخدمة الأرض، إلى حبر يخط به الحفيد أجمل قصة، نحو حلم العمر، ليصبح عالما مثل ملهمه الشيخ عبد الحميد بن باديس.

معجزة محمد عبد الله، بدأت عندما، بلغ ستة أشهر من عمره، حيث فاجأ والده بكلمة باسم، ثم راح الطفل يتمتم بكلمات أوحت لوالديه، بأن الطفل لا يشبه الآخرين، فما إن تعلم أبجديات اللغة العربية، حتى باشر التهام كتب الأطفال، وفي سن السادسة، صار لا يصادف كتابا أمامه إلا وقرأه، وأكثر من ذلك، حفظه حتى صار برغم سنه مكتبة تمشي بين الناس.

 طوفان التكريمات الذي تهاطل على النابغة محمد عبد الله، لم يبعده عن عالمه الصغير، فهو يصرّ على أن يتابع الرسوم المتحركة، يمارس الرياضة، بكل أنواعها ومنها على وجه الخصوص رياضة الكاراتي، والألعاب الإلكترونية، أما عشقه الأول، فهو السياحة، فقد بدأ بزيارة الجزائر العاصمة وبجاية ووهران، ليطير بعد ذلك إلى دبي، لتسلّم أول جائزة، في حياته، وينتظر بشغف، فرصة الطيران إلى البقاع المقدسة لأداء مناسك العمرة رفقة والديه.

 لقد كان مشهدا رائعا في دبي، عندما باشرت لجنة التحكيم، غربلة المشاركين، فبقي محمد عبد الله، ومشاركتين اثنتين على المسرح من الأردن والبحرين، ويمكن لقراء الشروق العربي أن يعودوا إلى اليوتوب، وعليهم أن يشدوا دموعهم، لأن المنظر في منتهى الحساسية. لم يبق على مسرح قاعة المؤتمرات الكبرى في دبي أمام أنظار قادة الإمارات العربية المتحدة، وملايين المشاهدين وحكام من كل بقاع العالم، سوى ثلاثة متنافسين للظفر بالجائزة الكبرى، حيث كان الطفل الجزائري محمد عبد الله محاطا بمتسابقتين من الأردن ومن البحرين، وكان السؤال الأخير الذي فاجأت به اللجنة الطفل هو: لماذا تقرأ؟ فأفحم الطفل لجنة التحكيم، وهو يهزهم بإجابة فصيحة، منحته التاج العربي، وأي تاج 150 ألف دولار ومليون ونصف مليون هدية للجزائريين علّهم تحدوا أزماتهم بالقراءة.

خرجنا من بيت محمد عبد الله فرح، المتواضع، وغادرنا مدرسته المتخمة بالتلاميذ الفقراء، كان الحيّ، الذي يسكن ويدرس فيه، يرسم صور بؤس، لا نهاية لها، قديما قيل بأن البؤس هو صانع المواهب، وواضح بأن محمد عبد الله، وضع قدمه على الدرب.. ونعلم جميعا بأنه من سار على الدرب.. وصل.

مقالات ذات صلة