جابك ربّي يا وزير!
“جابك ربـّي يا الوزير.. راني حاب أنشوف الوالي”(..).. هذه العبارة وردت على لسان شيخ في ولاية من ولايات الجزائر العميقة، وفيها دون شك رسالة مشفرة، مفادها أن الوالي رفض استقباله، أو أن المواطن المسكين لم يتمكن من الوصول إلى الوالي، أو ربما وصال بطريقته الخاصة، لكن “الحاشية” منعته من الاقتراب، أو لم توصل صوته وشكواه إلى المعني!
عندما كنا صغارا سمعنا مقطعا من أغنية معروفة آنذاك يردد صاحبها الشاب: “يا سيد الوالي أعطيلي السكنة”، وهاهو اليوم الشيخ يصرخ: “جابك ربي يا الوزير”، أي إن الوالي لا يُريد أن يستمع، أو ربما وضع في أذنيه القطن أو الطين، ولذلك استغلّ المواطن قدوم الوزير ليطلب منه “إمساك موعد” له مع الوالي، وهو في الباطن يشكوه إليه بطريقة حضارية!
فعلا، الكثير من الولاة، يصعب الوصول إليهم، وربما يستحيل، ولهذا يقفز الزوالية على سلـّم الترتيب، وينصبون “حاجزا” للوزير عندما يزور ولايتهم، علهم يصلون إليه بالصدفة أو بالصوت، فيمكـّنهم من الوصول إلى الوالي، الذي امتنع عن استقبالهم لأسباب غير مفهومة!
بعض المسؤولين السابقين، ومنهم ولاة، عندما يُغادرون الوظيفة، و”يأكلهم” التقاعد، يعودون إلى ممارسة “التقعاد”، فيزعمون مثلا في رواياتهم أنهم عندما كانوا “على ديدانهم” لم يتأخروا عن خدمة المواطنين وحلّ مشاكلهم، لكن قليل هذا النوع، الذي يستشهد به المواطن عبر مختلف الولايات، التي تداول عليها ولاة على مرّ السنين!
الوالي الذكيّ هو الذي يحافظ على نفس المسافة مع كلّ المواطنين عبر إقليم ولايته، وهو ذلك المسؤول الذي يسأل رؤساء دوائره وكذا الأميار ومنتخبي المجالس البلدية والمجلس الولائي، عن أحوال وانشغالات السكان، أمّا أن يدخل مكتبه ويقفل عليه “بالضبة والمفتاح”، ولا يُغادره إلى أن تحلّ حركة جديدة في سلك الولاة، فيرحل مقالا أو في أحسن الأحوال محوّلا أو محالا على التقاعد، ففي هذه الحالة لا يُمكن لهذا الوالي أن يكون واليا من “الأولياء الصالحين”!
عندما يجب أن يتدخل الوزير عند الوالي ليستقبل المواطن، ويأمر الوالي رئيس الدائرة باستقبال مواطن، ويلجأ المواطن إلى رئيس الدائرة ليستقبله “المير”، ويدخل المدير ليقضي الموظف حاجة المواطن، فهنا لا بدّ من أن يُسوّى العود قبل أن يستغرب هؤلاء أو أولائك من الظلّ الأعوج، ولعل الشيخ الذي انتهز فرصة قدوم الوزير ليسوي مشكلته مع الوالي “مزهور”، فما هو مصير عشرات ومئات وربما آلاف المواطنين عبر الجزائر العميقة ممن لا يُريد الولاة أو رؤساء الدوائر أو الأميار استقبالهم؟