الرأي

جاهلٌ يعلّم عالمًا

قرأتُ مقال الأستاذ الدكتور الإمام يوسف نوّاسة في جريدة الخبر بتاريخ 6/ 8/ 2026، عن “الرويبضة والمعتوهين” الذين يحسبون أنفسهم، ويحسبهم الجاهلون أنهم أوتوا “علما”، وأنّهم كالذي زعم أنّه أتى بما لم تأتِ به الأوائلُ، وما ذلك إلا لأنهم يجهلون أبسط ما يعلمه أدنى الناس.. وقد صدق الإمامُ العالم عبد الحميد ابن باديس في اعتبار “الجهل هو أعدى عدوّ”، فبعضُ الناس لا يملكون إلا شهادة الميلاد وشهادة لا إله إلا الله، غير المبنيّة على العلم، ولكنّهم – لغرورهم بإيصالهم إلى مراتب لم يكونوا يحلمون بها – هذا الشخص المغرور قال عن أحد كبار علماء المسلمين في عصرنا هذا بأنّه “جاهل”، ووالله لقد سمعتُ هذا الشخص “يهدر” عن هذا العالم ويصفه بـ”الجهل” مرّتين، ويقصد الإمامَ أبا الأعلى المودودي، رحمه الله، ورفعه مكانا عليّا.

نؤمن أنّ كلّ الناس – منذ أبيهم آدم إلى آخرهم – جُهّال، وليسوا جاهلين فقط؛ ذلك إذا قارنّا علومهم المختلفة بعلم العليم الخبير، وقد جاء في القرآن الكريم عن هذا “الإنسان” أنّه “كان ظلوما جَهولا”، ولكنّ هؤلاء الناس، مقارنة ببعضهم، فيهم من لا يعرف الكتابَ إلا أمانيّ، ومنهم من حصل بعد جهد كبير على “الشهادة الابتدائية”، ومنهم هذا الذي قال عن عالم من علماء الإسلام، وإمام من أئمّة المسلمين في العصر الحاضر بأنّه “جاهل”، وفوق كلّ ذي علم عليم.. بل إنّ نبيا من أنبياء الله – عليهم السلام – طلب من الله -عزّ وجلّ- أن يؤتيه ما لم يُؤتِه لأحدٍ من بعده، وأجيبت دعوتُه، هذا النبيُّ – الملِك علّمه عصفورٌ صغير عندما قال له: “أحطتُ بما لم تُحِط به وجئتُك من سبإ بنبإٍ يقين”. (سورة النمل. الآية 22).

لا يرتاب عاقلٌ، ولا يرتاب الإمامُ المودودي نفسُه بأنّه “جاهل” مقارنة بعلم الله الذي لا حدّ له، ولكن -شئتَ أم أبيتَ يا أيها “الجاهل” مقارنة بالناس أمثالك- فإنّ الإمام أبا الأعلى المودودي عالمٌ بشهادة كبار العلماء من مؤيّديه ومعارضيه من المسلمين وغير المسلمين.

إن “جَهولا” يصف عالِما بأنّه “جاهل” دليلٌ على أنّ هذا الوصف “صلقعٌ بلقع”.

كان يمكن لهذا “الجَهول” أن يقول إنّ علماء لهم قيمة ومبلغهم من العلم كبير يخالفون الإمام المودودي ويخطّئونه في بعض ما إرتآه من آراء، وما انتهى إليه من أفكار، فكلُّ الناس يُؤخذ من آرائهم ويُردّ، لأنّ كلَّ بني آدم خطاءون.. ولكن لا يمكن -حتى عند المجانين- أن يقول “جاهلٌ” عن أحد كبار العلماء إنه “جاهل”.

أكتفي بإحالة القارئ إلى رأي عالمين كبيرين من علماء الإسلام وإمامين من أئمّة المسلمين عن الإمام أبي الأعلى المودودي، وهذان العالمان هما الإمام محمد البشير الإبراهيمي في كتابه “عيون البصائر” والدكتور يوسف القرضاوي في كتابه “وداع الأعلام” (ص192- 204).

رحم اللهُ العالمَ الجليل الشيخ العباس ابن الحسين الذي كان يردّد: “يا دهر ويحك ما ذا الغلط، وضيعٌ علا ورفيعٌ هبط”، وصدق الشاعر القائل:

إذا لم يكن للمرء عينٌ صحيحة     فلا غروَ أن يرتاب والصُّبحُ مُسفِرُ.

مقالات ذات صلة