جبهة التحرير باقية وتتبدل
كان بوسع المتابعين للشأن السياسي المرور مرور الكرام على حادثة “رحيل ـ ترحيل” سعيداني من الأمانة العامة لجبهة التحرير واعتبارها “لا حدث” في بلد لم يعد فيه وزنٌ يُذكر للكيانات الحزبية، أو لها يدٌ في صناعة القرار، وقد نسلِّم للسيد سعيداني أنه قد “أعفى” نفسه بنفسه، أو “أعفي” مع انتهاء المهمة التي أوكلت له، وقد مُنح خروجا غير مهين أدار مشهده بإتقان حين انتزع من أعضاء اللجنة المركزية شهادة مسموعة ومرئية تفيد أنه لا وجود لمعارضةٍ داخل اللجنة المركزية تريد ترحيله.
فرضياتٌ كثيرة متعارضة تم تداولها كان أعلاها القول: إن سعيداني يكون قد رُحِّل بقرار فوقي من جهة تكون قد رصدت في تصريحاته النارية محاولة للتأثير في مسار صناعة خلافة الرئيس، وهي محض مضاربة لمن يعلم براءة أحزاب السلطة من أفعال صنَّاع القرار، وأن السيد سعيداني، مثله مثل غريمه في الأرندي، يعلم حدود النشاط المسموح به قولا وفعلا، وكان سعيداني قد ورث الأمانة العامّة بعد الخطيئة التي ارتكبها بلخادم بقراءةٍ فاسدة للمشهد المترتب عن مرض الرئيس.
بعض الحذاق يفضل المقولة المحبَّبة لشيرلوك هولمز: “حين تستبعد المستحيل، فإن ما بقي هو الحقيقة حتى مع ضعف احتمالها”، وقد استبعدنا بعض المستحيلات ومنها الرحيل الاختياري في بلد قلّما يُحرَّر فيه المنصب بمحض إرادة صاحبه، وقد استبعد سعيداني واللجنة المركزية فرضية وجود معارضة غالبة قاهرة داخل قيادة الحزب، وليس لتصريحاته النارية دورٌ في رحيله، لأنه كان في جميع مواقع السلطة كـ”بنت الصدى تقول عن سماع”.
الآن وقد ضيَّقنا قوس الاحتمالات، وجب البحث في الرسالة التي أريد لها ان تقرأ عبر الوسيط “موقع أمانة جبهة التحرير” على منوال فرضية عالم الاجتماع مارشال ماكلوهان القائل: “إن الرسالة هي الوسيط”، وان المعني بقرار استبعاد سعيداني هو جبهة التحرير نفسها، بخلق حالة من التجميد للموقع القيادي فيها لغايةٍ يريدها صانع القرار، يجمّد فيها الصراع على منصب الأمانة العامة وقد أوكلت بفرمان فوقي لا يردّ لرجل دخل أرذل العمر (83 سنة) لا يُخشى جانبه، وقد يعوَّل عليه لقيادة هادئة للجبهة لا تمانع في قلب موازين القوة في التشريعيات القادمة لصالح الأرندي؛ المرشح الأوفر حظا لتولي قيادة أحزاب السلطة مع الخليفة المحتمل للرئيس، وبداية مرحلة يتداول فيها النظام على نفسه بحزبين: محافظ قد استنفد دوره التاريخي ورجالاته، وآخر أكثر انفتاحا على اشراك فاعلين جدد من أوساط رجال الأعمال وإطارات منضبطة من الدولة العميقة متحررين من “إصر” جبهة التحرير وخطاب ما يُسمى بالأسرة الثورية.
وفي مكانٍ ما يكون أصحابُ القرار قد اختاروا ما يشبه الموت الرحيم لجبهة التحرير التاريخية يُنفذ على مراحل مع منح الجبهة فرصة لتنفيذ طوعي لتطوير ذاتي يُضعف بقايا مرجعية نوفمبر فيها، ويُنهي نفوذ ما يسمى بالأسرة الثورية كان قد بدأ مع ترحيل المرحوم مهري، وقد ينتهي بإفساح مجال ما داخل الجبهة لمسحةٍ إسلامية معتدلة يوازن بها النظام البُعد الليبرالي المتنامي داخل الأرندي، وينافس بها ما بقي من “فلول” الإسلاميين في المعارضة.