الجزائر
40 ألف جزائري يعيشون في إيطاليا خارج القانون

جثث مهاجرين تقبع في المشارح وأخرى مهدّدة بالحرق

الشروق أونلاين
  • 7917
  • 19
ح. م

يعيش في ايطاليا زهاء 25.000 جزائري بصفة رسمية، ويتركز أغلبهم في مناطق لومبارديا والفينيتو الأكثر نماء وتطورا، وبالتالي الأكثر تحصيلا لمناصب الشغل، غير أن رقمهم الحقيقي قد يناهز 40.000 نسمة، حسب التقديرات غير الرسمية، فثمة مشكلة جزائرية في طريقة الحساب بين الرسمي والرسموي، وما بين الحقيقي والموازي. لا تعتمد السلطات القنصلية سوى على حساب المسجلين والمقيدين، فيما يبقى الحراڤة المقيمون بطريقة غير شرعية أو غير الحاصلين على بطاقة الإقامة خارج الحساب، ومن ثم الاهتمامات.

من هنا يبدأ المأزق، لينعكس وجعا فوريا وبطريقة مأساوية تمس مصيرهم، وربما بعض حقوقهم البشرية الطبيعية، وأسوأها على الإطلاق في حال وفاة أحدهم، وتلك مشكلة مافتئت تراوح مكانها منذ عقود ولاتزال.

هذا الواقع المؤسف يلخصه جزائريون مقيمون هناك بمرارة، كما يؤكده النائب البرلماني أبو بكر قدودة، رئيس جمعية المركز الثقافي الإسلامي بسيستو ميلانو، وهي إحدى أهم وأنشط الجمعيات المكلفة بشؤون المسلمين والبشر هناك، فيقول بمسؤولية منفعلة وانفعال مسؤول لا يخلوان من وجع: إن أعوص مشكلة تواجه الجزائريين على وجه الخصوص هي قضية تخصيص ميزانية لنقل المتوفين لبلدهم، ودفنهم هناك بطريقة كريمة لائقة، فيضطر الجزائريون لجمع التبرعات العينية من الجزائريين والمنتسبين للجاليات العربية والإسلامية، للتكفل بتكاليف الصندوق والنقل المقدرة بـ 4500 يورو.

هذا الوضع المشين سببه غياب إرادة سياسية للتكفل بالجزائريين المتخلى عنهم كسقط المتاع في أرض الغربة، فقد اقترحت السلطات العليا ضرورة دفع مستحقات التأمين مقابل التسجيل الرسمي، لكن المقترح وجد نفورا من قبل الجزائريين، الذين يطالبون بحل سهل لا يكلف سوى ورقة وقلم، بتسجيل الوافدين، بغض النظر عن ملكيتهم لأوراق الإقامة من عدمها، فلا مشاحة في الجنسية على الأقل، مثلما تفعله دول إفريقية وأخرى مجاورة كتونس والمغرب، اللتان تعتمدان طريقة التسجيل الآلي، وتتكفلان بمصاريف الموتى عبر ميزانية خاصة، في الوقت الذي تمانع فيه السلطات حلولا وإجراءات بسيطة، حتى لو كانت وضعية الجثة الجزائرية أسوأ من نظيرتها الصومالية، وإن كلف ذلك مظاهر مخزية تخدش بشكل مباشر في صورة الدولة وكرامة الجزائريين، نظير تخزين الجثث سنوات طويلة في مشارح لا يأتي إليها أحد، أو النسف والخسف والحرق في محارق خاصة لا تخلف من أثر للهوية سوى شذرات من الرماد، وبعض الدخان، وكثير من الأسى على واقع حال يشبهالمحال“!

 

جمعية المركز الثقافي الإسلامي ملجأ من لا ملجأ له

في إيطاليا وفي غيرها من دول الغرب الأوروبي، مطالب جزائرية بمراجعة دور القنصليات وتوسيع صلاحيات الاشتغال، حتى لا تبقى مجرد مكاتب لتسيير الحالة الإدارية والمدنية، مثلها مثل شبابيك المصالح البلدية، بل ويلحون على إعطائها بعدا اجتماعيا وثقافيا واستراتيجيا أوسع، يساهم في الترويج لصورة الجزائر، بدءا بوضعية مواطنيها وانتهاء كوجهة سياحية تظل غائبة في السوق الإيطالية غيابا كاملا وملحوظا، فلا اسم لها في الملصقات الكبرى وفي الوكالات السياحية، لكنها منطقة معتمة على بعد ساعة ونصف من العاصمة روما.

وفي غياب ذلك، انبرت كوادر شبانية واطارات لملء الساحة المهجورة عبر فضاء المجتمع المدني الإيطالي، وهكذا تأسست جمعية المركز الثقافي الإسلامي، بسيستو ميلانو، وتضم أربع مراكز ثانوية، تحصلت على قطعة أرض شراء لتأسيس مسجد ومصلى ومكتبة ومرافق أخرى انطلقت منها إعادة التنظيم والتشكيل للجاليات المسلمة قبل عقود خلت، اعتمادا على تبرعات المقيمين، فصارت تملك مسجدا يقيم جمعتين بالعربية والإيطالية لكثرة المسلمين المنتمين لدول الجزائر والمغرب وتونس ومصر ودول افريقية واوروبية.

 

الجزائريون يطالبون السلطات بإبقاء باخرة سكيكدة جنوة!

 بابورسكيكدة اسم تسمعه كثيرا أينما حللت وارتحلت بشوارع ميلانو أو روما، وهو تحول لقضية رأي عام لدى الجالية الجزائرية المقيمة هناك بعدما جاءتها أنباء عن قرار وشيك بتعليق خدمته، وألقى ذلك بظلاله على كافة الأحاديث الرسمية والجانبية فقد تحولت الباخرة المشغلة بين سكيكدة وجنوة لمنفذ وجد فيه الجزائريون خيرا، مقارنة بأسعار الخطوط الجوية غالية الثمن مرهقة الجيوب والعقول، ذلك أن سعره لا يتعدى 150 أورو، مع ضمان وجبات الطعام، فتحول في ظرف وجيز لمقصد لآلاف المقيمين بإيطاليا، الذين يتقاطرون على جنوة، ليس من ايطاليا فحسب، بل حتى من سويسرا وفرنسا وهولندا والمانيا، وتجاوز اطاره الوطني ليصبح اطارا اقليميا، بلجوء التونسيين إليه أيضا، فيقول جمال العنابي متذمرالسنا نفهم نية توقيف الخط الذي كان يسهل على الجزائريين عملية العودة للجزائر براحة تامة، كما يوفر عليهم مصاريف كثيرة لارتفاع سعر تذكرة الطائرة، نحن نطالب بإبقائه صيفا، مثلما كان قبل أشهر، وبرمجة رحلة كل شهر خلال الأشهر المتبقية، حتى لا نضطر للعودة عبر تونس، ما يعني التنقل لآلاف الكيلومترات جنوبا نحو بليرمو أو تراباني، دون احتساب الأموال المدفوعة للشركة التونسية وضريبة الخروج، فهل بهذه الطريقة نخدم اقتصاد شركاتنا؟

في الواقع، لا شيء يشغل البال لدى المهاجرين سوى كيفية التكفل بالمتوفين عبر الصندوق وكيفية نقل الأحياء عبر بابور اللوح، وكم يبدو المطلبان هينين مقارنة بحجم دولة مثل الجزائر، ومع ذلك فالجزائريون ضائعون في سم إبرة، جعلت حقوقهم الطبيعية مثل أحلام بعيدة المنال، وهم يستصرخون رئيس الجمهورية صاحب شعار العزة والكرامة أن ينهي هذين الكابوسين، فقد قال لنا بعضهم كيف تقدم الجزائر ملايير الدولارات هبة لدول افريقية وعربية، وتقرض بنك النقد الدولي 5 ملايير دولار، وتعجز عن تخصيص ميزانية تتكفل بالجثث وتوفر النقل البحري لفلذات أبنائها، والأغرب أن مواطني دول عربية وافريقية عدة تتحصل حكوماتها على هبات مالية جزائرية غير مستردة، يضحكون حينما يسمعون أن الدولة القارضة تبخس مواطنيها نزرا قليلا يساهم في تحسين الصورة وتلميع السمعة، أما الجزائريون المتحسرون من وضعية ضعف فيها الطالب والمطلوب، فيستغربون لتصريحات وزراء في الحكومة الجزائرية، ما فتئوا يرددون كلما أثيرت القضية بأن الدولة لا تساعد من يشتغلون هناك على العملة الصعبة، فهل علم الوزراء شيئا عن حال آلاف الشبان اللاجئين اقتصاديا، الذين يحيون حياة قاسية، ويوصون بعضهم البعض بالتكفل بجثثهم وتبليغ أهاليهم ودفنهم رفقة احلامهم هناك بأرض روما، التي يقول عنها المثل إن كل الطرق تؤدي إليها، في حين أن كل الطرق لا تؤدي إلى الجزائر، حتى لو كان ذلك عبر معبر الموت!

مقالات ذات صلة