الرأي

جحا العربي وشلومو العبري

صالح عوض
  • 2344
  • 0

عندما تغيب النماذج الفذة عن قيادة المجتمعات والأمة، ويصبح الزمان بيد الرويبضات المهازيل، وتغدو الخيانة وجهة نظر، ويصار إلى تقطيع ما أمر الله به أن يوصل من وشائج وعلاقات بين الاهل والاخوة في الدين والوطن والإنسانية، تجنح الثقافة الشعبية والامثال المتوارثة إلى نماذج سخيفة ورموز للوهن والضعف.. هذا هو حال كثير من الذين تقلدوا زمام هذه الأمة وهم يغلقون آذانهم فلا يستمعون إلى نصح ويخرسون ألسنتهم عن قول الخير ويغمضون أعينهم عن رؤية الواقع كما هو، فيحل بأمتنا ما نعيشه الآن من ضياع البلدان وتمزق الشعوب وميلاد النعرات الجاهلية واندلاع الحروب بين مكوّنات المجتمع الواحد.

 جحا العربي لا يهمه من الأمر شيء ما دامت بلدته بخير، وعندما ابلغوه أن بلدته دب فيها الفساد والشر، أسرع الى القول المهم ان حينا لم يصله من الفساد والخراب شيء، وعندما قالوا له يا جحا إن الفساد دخل حيكم، لم يتردد جحا بأن اكد لهم مادامت داره بخير فلا يهمه شيء.. والمفاجأة ان الفساد كان يتغلغل في داره فقالوا له وهاهو الفساد في حجر بيتك، فقال جحا التعيس: المهم ان لا يمسني بضرر..

عندما اخترع اهلنا الأقدمون هذه الرواية ليشنّعوا بمثل هذا الفهم السقيم وهذا السلوك الشاذ، لم يكن في وارد تخيلاتهم ان هناك من هو أسوأ من جحا العربي.. أجل اصبح جحا في زماننا مسخاً آخر.. جحا اليوم لم يكتف بأن يكون سلبيا تجاه قضايا أمته وبلده، ولم يتخلّ فقط عن واجب الكرامة والانتماء.. جحا اليوم يـبحث عن كل الدروب الخلفية ليُيَسر لشلومو العبري اختراق الصفوف والايقاع بالأمة وزرع الالغام والفتن.. جحا العربي اليوم يلقي بالسلم والمودة لقاتل اهله ومدمر شعبه ومنتهك المقدسات والحرمات.. جحا العربي اليوم يمد لسانه بكل هستيريا السقوط من انات المظلومين وكفاح المستضعفين وصراخات الاحرار ويومئ لشلومو العبري ان لاتلتفت الى هؤلاء الهمج الذين لا يفهمون الواقع ولا يستطيعون فعل شيء.. ويصبح جحا العربي في اسوأ حالاته عندما يتقاسم الوظيفة ويتبادل الادوار مع شلومو العبري ضد الأمة ومكوناتها وحضارتها ويومها ومستقبلها.

رغم ذلك كله فسيظل جحا محل سخرية لدرجة ضحك الاطفال واستهزائهم لأنه مهما تزود برضى الاعداء لاقيمة له وممجوج في حس الشعوب والأمة ومرفوض جملة وتفصيلا.. جحا المتهتك والمتماهي في احذية الاستعماريين لا قيمة له عند الاعداء، فهم بعد تأدية الخدمة سيشنقونه او يقتلونه او يسجنونه او يطردونه مذموما مدحورا..

ومن جديد يشرق في وجدان الأمة اولئك القادة الرائعون الذين اعطتهم الأمة ارواحها وما تملك، فكانوا امناء على حقها وكرامتها وسيادتها ولم يتنازلوا ولم يفرّطوا فسكنوا قلوب امتهم وكانوا بؤبؤ العين منها.

جحا القديم والحديث ساقطٌ من حسابات الكرامة.. ليلمع فينا المجد من حزم أبي بكر ودرة ابن الخطاب وسيف ذي الفقار وصهيل خيل الفاتحين مع عقبة وبن نصير وأبي عبيدة الى المجددين والثوار بن باديس وبن مهيديوسواهم كثير كثير لتهلّ علينا بشائر الكرامة في فلسطين والشام المبارك والعراق المبغدد واليمن الذي لن يكون الا سعيدا.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة