منوعات
روائيون يعترضون على لغتها البذيئة وانتهاكها للقيم

جدل حول “هوارية” ومطالب بالتحقيق في منح الجوائز

محمود بن شعبان
  • 2413
  • 0
ح.م

أثارت رواية “هوارية” للكاتبة إنعام بيوض الفائزة بجائزة “آسيا جبار” للرواية في دورتها السابعة، جدلا واسعا في الساحة الأدبية، سرعان ما انتقل إلى صفحات التواصل الاجتماعي، التي اشتد فيها النقاش بين مؤيد ومعارض، بسبب ما احتوته الرواية من ألفاظ “غير لائقة”، اعتبرها الناقدون “غير أخلاقية” وخادشة للحياء وإهانة في حق مدينة عريقة مثل وهران، ليسفر الجدال عن إعلان دار “ميم” الناشرة للرواية الموصوفة بـ”الإباحية الساقطة” غلق أبوابها.
ودخلت عديد الأسماء الوازنة في الساحة الأدبية الجزائرية في الجدال الذي خلّفته رواية “هوارية”، حيث اعتبرها البعض “غير لائقة” بسبب استعمالها لمختلف الشتائم المنافية لقيم المجتمع الجزائري المحافظ.

خدوسي: أسلوب سمج فنيا ومستوى في الحضيض
وبهذا الصدد، قال الروائي رابح خدوسي، إن فوز الرواية بالجائزة “مهزلة” في حد ذاته، مما أفقد الجوائز الأدبية مصداقيتها، مشيرا إلى أن معايير لجان التحكيم أصبحت غير موضوعية، بسبب مهازل التتويج لنصوص روائية لا قيمة لها.
وأضاف خدوسي، أن رواية “هوارية” لغتها ضعيفة وأسلوبها سمج من الناحية الفنية، ومستواها في الحضيض لا يرقى إلى التتويج في ظل انعدام “روعة الكلمة وسحر البيان”، مؤكدا أن آسيا جبار لم تكن لترضى “بتوزيع الجائزة باسمها في قلة الأدب”.
كما دعا خدوسي إلى فتح تحقيق عميق حول الجوائز الحكومية الممنوحة في الجزائر، وأنه كان يفترض على لجنة التحكيم حجب الجائزة إن لم تجد مرشّحا آخر يستحقها.

عبادو: لن أترشّح لجائزة “جبار” قبل التحقيق والإعتذار
وضمّ الروائي سليم عبادو صوته لصوت الكتّاب المطالبين بسحب جائزة هذه السنة، وذلك بعد تداول مقطع من الرواية الفائزة بجائزة “آسيا جبار” على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي احتوت، حسبه، على ألفاظ زقاقية منحطة وأسلوب ركيك.
وبعد إطلاعه على عديد المقاطع الأخرى من الرواية، عبّر عبادو عن قراره بعدم الترشّح لجائزة “آسيا جبار” مستقبلا ما لم تستقيل لجنة تحكيمها وتعتذر من كل الكتّاب الذين ترشّحت أعمالهم لها، مشيرا إلى أن روايته “الكنّاس” التي أقصيت وروايات عديدة لكتّاب مترشّحين أحسن من رواية “هوارية”.

لحسن عزوز: اللغة في مقاطع كثيرة رتيبة جدا وتقليدية وركيكة
من جهته، قال أستاذ النقد والأدب بجامعة باتنة، الدكتور لحسن عزوز عن رواية “هوارية”، إن كاتبتها سقطت في فخ الهروب والتيه واستماتت في بئر مهجورة تتداخل وتتخارج عبر مشهدية البذاءة اللغوية البعيدة عن سياق النص وأحداثه، وكأنما تحاول أن تفلت من الموت السردي، وكأنما تحاول نكأ الجراح بعنف جرحا تلو الآخر لتتكشف لها المآسي النزقة الماجنة بالطمي الغضير والحيوات الضروس وهنا سقطت اللغة السردية من دياجير الاشتغال والحفر إلى اللجاجة والبساطة وأحيانا الركاكة والتقزز، على حد تعبيره.
وأشار عزوز إلى أن تداخل الأجناس الأدبية في نص واحد كاللهجة المحلية أو الألفاظ الأجنبية أو الرموز أو الأشكال أو البياض أو الفراغ أو الإشارات لا يعني أنه يخدم النص في اختلافية الحكي ودهشته، إذ أن هناك مبالغة في نسج الألفاظ وتصوير بعيد عن سياق الأحداث ولا يثير القارئ ولا المتلقي ولا يدهشه، بل قد يتقزز منه ويجعله متكائبا أسيفا، مؤكد أن رواية “هوارية” تساكنت في فصول رتيبة وظليلة (السماء المتبلدة بالغيوم بطنت وهران من كل جانب)، فاللغة هنا وفي مقاطع كثيرة من الرواية رتيبة جدا وتقليدية وأحيانا ركيكة لا تغوي ولا توغل ولا تومض وكأننا نحاول أن ننهض من ظلام حالك وفجيعة خائبة.

خيزار: وجود بيئة حاضنة لا يمنح الفضيحة شرف الأدب
أما الشاعر والمترجم ميلود خيزار، فقد علّق على الرواية قائلا إن: “أيّ كاتب يجهل أو يتجاهل “قيم الكتابة الإبداعية”، سيعتبر “نظام السوق” بالمعنى التجاري للسوق هو المرجعية الفكرية والأخلاقية والفنية “لمفهوم” و”تصوّر فعل الكتابة”، أمّا الكاتب “المبدع”، فهو “روح” تفكّر خارج “نظام ومفاهيم وقيم” السوق، وهذا لا يعني “أفلاطونية” الكتابة بقدر ما يعني ذلك الوعي العميق بأثر الكلمة في “تأثيث” بيت الخيال وفي “ترميم” هيكل العالم ووجود المهدّدين “بالخراب الحتمي”، وأنّ هذا “الفعل” هو من صميم “الوجود بمعنى”، الوجود الرمزي الذي يحمل “جينات” و”طاقة” و”حلم” الكلمة الخصبة تماما كما تفعل البذور وهي تبعث الفصول والمواسم، هذا ما يسمّونه “فعل التعالي” بالواقع من حضيض “النثر” إلى “سماء الشعر”، مشيرا إلى أن وجود بيئة حاضنة “للأدب الفضائحي” لا يمنح الفضيحة “شرف الأدب”، ونصوص الفضائح هي من “الأدب التجاري” ولكن ثمّة فرق شاسع بين “سوق الأدب” و”أدب السوق”.

نذير طيّار: عفيف اللسان لا يشحن روايته بكلمات بذيئة قذرة
ومن جانبه، أوضح الشاعر والروائي نذير طيار، أن من يقرأ الروايات منذ عقود، لن يتفاجأ بما ورد في رواية “هوارية” لإنعام بيوض، لكنه بالمقابل، لا يتصور روائيا عفيف اللسان في حياته اليومية، الأسرية والاجتماعية، يشحن روايته بكلمات بذيئة قذرة، مدّعيا أن الكلام ليس له بل لبطل الرواية.
وأوضح طيار أن شخوص الرواية ورغم اختلافها وتعدّدها، والتي يحاول الكاتب أن يرسم لها شخصيات متناقضة، تجمع بين الطيب الصالح والفاسد الطالح، لتكون الروايات متوازنة، كما يأتي التصوير محافظا على الحد الأدنى من القيم المجتمعية، متسائلا إن كانت القيم المجتمعية اليوم تجيز عرض السينما لكل شيء بدعوى الصدق الواقعي؟

بورحلة: رواية بيوض من الأعمال الأدبية الجديرة بالقراءة
بدوره، يصنّف الروائي والمترجم محمد بورحلة، رواية “هوارية” ضمن الأعمال الأدبية الجديرة بالقراءة التي تعد في مجتمعنا وهما بصريا وأن المشهد الثقافي سراب يصنعه المثقفون، معتبرا نص رواية “هوارية ” جريئا، ليس بما يوجد فيه من تعابير بذيئة وشبق، بل بوضع إصبعه وضغطه على القرح التي تجعل أنسجة المجتمع تتآكل بسبب تعرضها لأحماض النفاق والجفاء بشكل من الجرأة.
وأضاف بورحلة، أن النص جريء بفضحه المثقفين الذين “استرغدوا العيش في أبراجهم العاجية” وكشفه طوباوية التنظيمات اليسارية ونزعه الهالة التي تحاط عادة بـ”الرفقاء”، إذ يصورون كأنصاف آلهة يصنعون العالم أو يغيرونه، تنظيمات تعاني مما سماه “هشام”، إحدى الشخصيات المنتمية إليها: “إنعدام التناغم بين جماليات المبادئ ومفارقات التطبيق”، وأن النص جريء أيضا بتطرقه إلى المسكوت عنه، بتسليط الضوء على العبث وإن خدش ذلك الحياء المزعوم، وعلى علاقة المال بالفساد، وتركيبة المجتمع الوهراني (أي الجزائري)، وعلى سر تشجيع النهج الصوفي”.

واسيني: النص ليس مساحة دينية أو اجتماعية أو نفسية هو ذلك كله
من جهته، اعتبر الروائي واسيني الأعرج، فوز إنعام بيوض بالجائزة “مستحقا، نظرا للجهد الإبداعي والمعرفي الذي بذلته في مغامرتها الإبداعية، فهي ليست وليدة اليوم ولكن وراءها تجربة تستحق كل التقدير، داعيا بالمناسبة، إلى ضرورة قراءة النصوص جيّدا قبل تسليط ساطور عمى البصيرة عليها، والتحلي بالتروي قبل الحكم عليها”، مشيرا إلى أن “النص ليس مساحة دينية أو اجتماعية أو نفسية هو ذلك كله، وأنه ليس عبثا أن فرق النقاد بين مفهومين: الشخص والشخصية، فالأول يعني البني آدم بلحمه ودمه، بينما الثانية تعني ما ينشئه الكاتب من تخييله وتجربته في الحياة، أي ليس هو الكاتب، وإلا لن يصبح الأدب أدبا، ولكن مجرد عناصر ذاتية مرمية هنا وهناك في شيء اسمه الرواية ولا علاقة له بها، والشخصية بهذا المعنى تعبير اختزالي عن حدث أو حالة يأتي بها الكاتب بصدق في إنشاء شخصية ملتصقة بشرطيتها الاجتماعية والنفسية، وهي التي تحدّد لغتها وممارساتها الاجتماعية”.

آمنة بلعلي: التتويج وفق الالتزام بالثوابت الوطنية والتمكّن من البناء الروائي
وعن معايير اختيار رواية “هوارية”، كتبت عضو لجنة التحكيم الدكتورة آمنة بلعلي، أنها أخذت بعين الاعتبار الالتزام بالثوابت الوطنية والتمكّن من بناء العالم الروائي بلغة جيّدة ومعبّرة ورؤية مختلفة وموقف يؤطر عناصر العمل الروائي، مشيرة إلى أن اللجنة وجدت أن الرواية محكمة في بنائها السردي ورسم شخصياتها والمكان المتعلق بأحد أحياء وهران الغارق في الآفات الاجتماعية والعوز المادي الذي تم استغلاله من أجل إثارة الأزمة التي عرفتها الجزائر في العشرية السوداء، كما أن الروائية أبدت تمكّنا في تقديم مجتمع الرواية وموقفا متزنا تجاوزت فيه ما كان يثار في الرواية الجزائرية من مواقف إيديولوجية.
وعن الجدل القائم حول الرواية في مواقع التواصل الاجتماعي، قالت الدكتورة آمنة بلعلي، إن الجُمل التي حاكموا من خلالها رواية بكاملها واعتبروها خادشة للحياء، يوجد مثلها بل أكثر منها في الرواية الجزائرية منذ الطاهر وطار وكذلك في الرواية العربية والعالمية وفي المسرح والشعر والفن التشكيلي لأن السياق الفني يقتضيها.
واعتبرت المتحدثة الجدل المصاحب لتتويج الرواية مجانيا ولا علاقة له بالرواية ولا بالنقد الروائي، “وإلا كيف يمكن أن نحاكم رواية من خلال جمل قالتها شخصية؟ وكيف يمكن لمن يدّعي أنها رواية مخلة بالحياء وهو لم يقرأ سوى بضع صفحات؟”

لميس سعيدي: الرواية انتصرت للمواطن الهامشي والمهمّش
ومن جهتها، أكدت عضو لجنة التحكيم، الكاتبة والمترجمة لميس سعيدي، في السياق ذاته، أن الرواية انتصرت للمواطن الهامشي والمهمّش، الذي لا يذكره المثقفون إلا بصفته واحدا من الغوغاء، ولا يذكره الباحثون إلا بصفته رقما، ولا يذكره شركاؤه في البؤس إلا بصفته “هاء” أي صوتا يلتهمه الهواء، في حين تجعله الرواية بطلا وتمنحه اسما يصير عنوانا للفصول الروائية ومتنا في الحكاية.

وأشارت سعيدي إلى أن الروائية إنعام بيوض صنعت عالمها ورؤيتها، من خلال مزيج ذكي ومتناسق بين لغة عربية فصيحة، سلسة وشفافة وطازجة وبين لغة عامية بمستويات مختلفة تقدّم حينا الموروث الشعبي، وتكشف حينا آخر بؤس الجهل والفقر وانعكاسه على اللغة، في حين يستمر الهروب “الممنهج” للمتن الروائي الجزائري نحو التاريخ (عدا بعض الاستثناءات) بدون رؤية واضحة أو ناضجة وبدون ربط مع الحاضر لتقديم موقف جمالي وفكري من اللغة ومن الواقع السياسي والاجتماعي، على حد قولها.

مقالات ذات صلة