الرأي

جرح غزة… وكذبة الخلاص !!

يبدو أنّ العالم الغربي يعيش اليوم لحظة اعتراف متأخرة، لحظة يطلّ فيها على ماضيه الكولونيالي بنبرة خشوع، ويقول- ولو مترددا- إنّ ما حدث كان ظلما يستحق الإدانة. كتّاب وباحثون يستعيدون الصفحات المظلمة بجدية لافتة، وكأنّ الاعتراف المتأخر قادر على إعادة الزمن إلى الوراء. غير أنّ هذه العودة، على تواضعها الظاهر، تحمل بين ثناياها حكاية أخرى أقل براءة: حكاية تقول إنّ الماضي قابل للتنظيف، وإنّ الأخطاء قابلة للتصحيح، وإنّ الغرب قادر دائما على أن يمدّ يده إلى ذاته ليخرجها من عتمتها.

وانطلاقا من مقال مايكل إيليوت “ما بعد الخلاص: إرباك السرديات التقدّمية الرومانسية حول الظلم الاستعماري في الفكر النقدي الغربي”، يتضح أنّ هذا النقد الذي يبدو في ظاهره جريئا يظلّ محكوما بما يشبه القيد السردي القديم ذاته: سردية التقدم، تلك التي تُطمئن القارئ بأنّ التاريخ، مهما اشتدّت خطاياه، يتحرك إلى الأمام وفق مسار أخلاقي صاعد، وأنّ الخطأ قابل للترميم طالما ختمناه باعتذار رشيق.

ويدرك إيليوت أن هذه السردية ليست إطارا لغويا فحسب، وإنما خيال مديد ينساب في عمق البنية الفكرية الغربية. فالغرب- حتى حين يراجع ذاته- يفعل ذلك داخل قصة معدّة مسبقا: اعتراف، مراجعة، ثم صعود نحو أفق أنظف. حبكة مهدّئة تعيد إنتاج الوهم بأنّ الاستعمار مجرد زلة قابلة للتصحيح، لا بنية ممتدة تواصل حضورها بوجوه متحوّلة.

ولتمثيل هذا الالتباس، يستدعي إيليوت مثال آمي ألين التي حاولت الفصل بين “التقدم كأمل” و”التقدم كحقيقة تاريخية”. محاولة لافتة، إلا أنّها- كما يرى- تعود لتقع داخل الإيقاع ذاته: خطأ يليه نقد يليه صعود محسوب نحو صورة أكثر نقاء، بشكل يجعل الغرب يحتفظ بموقع البطولة حتى حين يقرّر التوبة.

هذا النوع من السرديات يغري بالطمأنينة، غير أنه يحجب أسئلة تحتاج إلى جرأة أكبر: هل يمكن فعلا تجاوز آثار الاستعمار؟ أم أنّه يحيا في قلب الحاضر بأقنعة جديدة؟ وهل يستطيع الفكر الغربي الخروج من مركزية ذاته؟ أم إنّ نقده يتحول في النهاية إلى جلسة تطهير نفسي لا تلامس عمق الجرح؟ هذه الأسئلة تمزّق ستارة النهاية السعيدة، وتذكّر بأنّ الماضي لا يغادر لمجرد أننا كتبنا عنه.

وهنا يتقدّم المشهد مثال حاضر لا يخلو من الدلالة: غزة. ففي 17 نوفمبر 2025، صوّت مجلس الأمن على قرار بإنشاء قوة دولية “لتثبيت الوضع” في القطاع، في خطة قُدمت بوصفها خطوة نحو إعادة الإعمار وضمان الاستقرار، مع وعود مستقبلية بدولة فلسطينية و”مجلس سلام” مؤقت تشرف عليه قوى كبرى، غير أنّ هذا القرار، في بنيته العميقة، يعيد إنتاج السردية التقدمية ذاتها: اعتراف بالمأساة، لكن عبر أدوات تقنية تُدير الوضع دون أن تفكك جذور الهيمنة التي صنعت المأساة أصلا. وهكذا يتحول الاعتراف إلى جزء من آلية التنظيم، ويغدو الحاضر امتدادا لبنية استعمارية تتجدد بدل أن تُحاسَب، ويتحوّل المستقبل إلى وعد مُعلّب داخل هندسة دولية لا تسمح للفلسطينيين بكتابة سرديتهم.

وعلى ضوء ذلك يدعو إيليوت إلى إدخال التراجيديا إلى المشهد النقدي، والتراجيدي هنا ليس سقوطا، وإنما يقظة تتيح رؤية الجرح كما هو، بلا تلطيف، بلا وعد سريع، وبلا نهاية مصقولة. فالتراجيديا تقول إنّ الاستعمار لا يُطوى كصفحة، وإنما يبقى أثرا يتسرّب إلى كل ما نرويه عن أنفسنا، وتقول أيضا إنّ الأمل لا يكتسب صدقه إلا حين يتحمّل وزنه الأخلاقي.

وفي هذا المسار لا يدعو إيليوت إلى إلغاء التقدم أو التمركز داخل الظلام، وإنما إلى جعل الضوء يجاور الظلال، والرغبة تلامس الخوف، والرجاء يتقدّم بحذر بجانب الوعي. فالأمل من دون تراجيديا يتحول إلى عرض خفيف، والتراجيديا من دون أمل تتحول إلى تيه، وبين الاثنين قد يجد النقد الغربي صدقا جديدا، صدقا لا يصالح الماضي، لكنه يتوقف عن تلميعه.

ومن هنا تنفتح إمكانية أن نرى الاستعمار بوصفه قصة لم تُختم، وأنّ التعامل مع تاريخه لا يحتاج إلى نهاية سعيدة بقدر ما يحتاج إلى عين قادرة على رؤية ما تحجبه السرديات المطمئنة، عين تدرك أنّ الخلاص ليس وعدا يُتلى، وإنما سؤال طويل يمتحن صدقيّة الوعي.

ويبقى النقد الغربي عالقا بين رغبة حقيقية في مواجهة تاريخه وبين سردية تعيد تهدئة قلقه عبر وعود خفيفة بالخلاص، وبانكشاف هذا التردد يتضح ما يشير إليه إيليوت: أنّ الاعتراف ليس تفكيكا، وأنّ اللغة لا تكفي لتهشيم البنية التي ما تزال تعمل في الحاضر. الاستعمار لا يصبح ذكرى لأنه تحول إلى مادة بحث، والنقد لا يتحول إلى شجاعة لأنه يرفع صوته، وما نحتاج إليه هو نقد يترك الباب مفتوحا للأسئلة، والأسئلة- حين تبقى حيّة- تكشف أن الحقيقة أثقل مما نتصور، وأن الطريق نحو عدالة أكثر صدقا لا يُرسم بخط مستقيم، وإنما بخطوات حذرة ترى ما يُخفيه اللفظ حين يتحول اللفظ إلى ملجأ.

مقالات ذات صلة