“جريمة” جبور؟
أسوأ ما في مرافعة محام، دفاعا عن موكله، هو أن يبرئه بدليل إدانة في جريمة أبشع من الجريمة الأولى، وأبشع ما في المحاكمة أن يجد المتهم المبتهج “ببراءته” شهودا يقرّون بأن “المتهم” ليس هو من ارتكب الجريمة لأنه كان في مكان رذيلة آخر يمارس ممنوعا لا عقاب فيه سوى عقاب الضمير، وحالة اللاعب الجزائري المحترف في أولمبياكوس اليوناني رفيق زهير جبور تكاد تُشبه الحالة البائسة لهذا المتهم.
فبعد أن اتهم بالرد على عنف الليبيين بعنف مماثل، وهو اللاعب المحترف المقبل بعد أسابيع على خوض كأس رابطة أبطال أوربا، وبعد أن اتهم بالهتاف بحياة رئيس شبع موتا، راح يردّ بحجة ودليل أبشع وهو كونه لم يكلم اللاعبين الليبيين لأنه لا يُتقن اللغة العربية، ومن شدة افتخاره بنفسه، خطّ ذلك على موقعه الإلكتروني حتى يعرف العالم أنه جاهل للغة أمته، ليجعلنا نتساءل لماذا يتعلم جبور اللغة الإغريقية رغم أنه متواجد في اليونان منذ أربع سنوات فقط ولا يتعلم العربية أو الأمازيغية وهو الذي يقول إنه يلعب من أجل النشيد الوطني الذي يُقسم بالنازلات الماحقات والدماء الزاكيات الطاهرات، ولو كان الأمر يخص جبور وحده لهان، لكن أن يتعلم سفيان فيغولي الاسبانية وعبد القادر غزال الإيطالية وكريم مطمور الألمانية ويفتخرون بكونهم لا يتقنون لغة البلد الذي احتضنهم بشعبه وبأمواله ومنحهم الشهرة ومكّنهم من أن يلعبوا في بلدان تعلموا فيها لغاتها فتلك فضيحة أبشع من عنف الملاعب، والغريب أن اللاعب حسان يبدة يفتخر بكونه يتقن خمس لغات، وهي الفرنسية حيث مولده وبدايته الكروية، والبرتغالية عندما لعب لنادي بنفيكا والإنجليزية عندما لعب لنادي بروتسموث، والإيطالية منذ أن لعب لنابولي، والإسبانية حيث يلعب حاليا لغرناطة، ولا يجد حرجا في الإعلان عن جهله للعربية لغة القرآن الكريم وللأمازيغية التي يتكلمها أجداده.
لقد وجدت الجزائر نفسها بسبب الكرة الملعونة مجبرة على الدخول في مناظرات تعتمد على اللغة، فكانت عاجزة بسبب منفاها الاختياري اللغوي كما اعترف بذلك الشاعر الكبير مالك حداد عن مجاراة مناظرات كانت تسير في اتجاه واحد، وإذا كان بعض المصريين في فتنة الكرة التي تلت مباراة أم درمان منذ ثلاث سنوات قد أجرموا في حق الجزائريين عندما طالت ألسنتهم وأقلامهم تاريخ البلد ورموزه، فإن تندرّهم بجهل اللاعبين الجزائريين للغة العربية وللهجة الجزائرية بقي خارج مجال الرد، وقد يكون جبور بريئا من كل التهم التي وضعته بين نار عقاب محلي لأنه هتف باسم رئيس بلد راحل لاستفزاز الآخرين ونار عقاب إفريقي لأنه رد الاعتداء باعتداء، ولكن ابتهاجه بكونه لا يتقن اللغة العربية ليستفز بها الآخرين هو تهمة أخرى ولكن يشاركه فيها الذين تُرضيهم مثل هاته الأوضاع التي تؤكد أن خمسين سنة من الاستقلال لم تحررنا من الاستعمار اللغوي.
ويبقى جبور متهما بلا حساب في جريمة جهل لغة البلاد، لأن الذي بمقدوره أن يحاسبه سيجد نفسه أمام مئات الآلاف من أمثال جبور الذين يمثلون واجهة ومرآة البلاد، ومنهم وزير الخارجية الناطق الرسمي باسم الجزائر، وعندما يتجاوز عدد المتهمين عدد الأبرياء فإن الحكم سيسقط وقد يصبح القاضي في صف المتهم.
وللذين يعشقون ريال مدريد وبرشلونة وما أكثرهم، نعلمهم أن الناديين الكبيرين يخصّصان مدرّسا للغة الإسبانية لكل وافد قادم من بلاد لا ينطق أهلها لغة أهل مديرد وبرشلونة حتى ولو كان اسمه كريستيانو رونالدو أو مورينيو؟