الشروق العربي
هل هي رجولة زائدة ..أم واقع مفروض؟

جزائريات ممنوعات من العمل

الشروق أونلاين
  • 14770
  • 32

بطبيعتها الطموحة وكفاءاتها غير المحدودة، اقتحمت المرأة الجزائرية ميدان الشغل، وها هي تسعى جاهدةً الى إثبات ذاتها كيدٍ عاملة جديرةٍ بالعطاء وبأي السبل، بيد أنها تواجه عقبات وتحديات كبيرة تزداد ثقلاً كلما كان مصدرها أشخاص من المفترض أن يكونوا الداعم الأول لها، ورغم ذلك نجد الكثيرات يواصلن مشوارهن غير آبهات لا بنظرة المجتمع و لا بعواقب إصاررهن على العمل.

و هو ما أقام الرهان لدى فئة من الرجال حول ما إذا كان عمل المرأة يساهم في بناء المجتمع أو يساهم في تدمير معالمه، حتى أن الأمر تعدى ذلك بكثير الى أن أصبح العديد من الجزائريين يربطون مستقبل بناتهم و مصير حياتهم الزوجية بقناعات قبلية وأفكار متصدعة، تمنع خروج حواء من بيتها لغير الحاجة الماسة و هوما تشبث به بعض الشباب وحتى الأولياء عند حديثنا إليهم.

أريدها معلمة أو ماكثة بالبيت

سفيان، 28 سنة، موظف بمؤسسة صيدال، من مظهره وطريقة كلامه- حتى من شهادة زميلته بالعمل-هو تلك الشخصية المرحة والمتفتحة، لكن الموضوع أخذ منحى آخر حينما تعلق الأمر بحياته الخاصة فهو من الشباب الذين لا يؤيدون البتة خروج حواء للعمل :”أفكر في الإرتباط و لكني أجد صعوبة في الوصول إلى شريكة حياتي المثقفة و التي أريدها معلمة أو ماكثة بالبيت، فالتعليم هو المهنة الوحيدة التي تناسب المرأة، و التي يمكن أن أسمح لزوجتي المستقبلية بمزاولتها، فهي المهنة التي تقيد المرأة زمانياً ومكانياً، وتضطرها للإحتكاك فقط بفئة معينة من الناس طوال الوقت، ما يمنحني الأطمئنان من هذه الناحية”.

عملها مسألة شرف

 سيف الدين، شاب في الرابعة والثلاثين من العمر، ينحدر من ولاية جيجل، عن تجربته مع الموضوع يحكي لنا:”أحببت ابنة جيراننا منذ الصغر، وقد انتظرت عودتها من رحلة دراسة بالعاصمة استمرت أربع سنوات، لأتزوجها وآمرها بالمكوث بالبيت لأن عمل المرأة في أعرافنا مسألة شرف، فهي خلقت لخدمة أهلها ثم زوجها لا لخدمة الغرباء، فمهما يكن العمل الذي تزاوله نبيلاً والمكان الذي ترتاده شريفاً، فإن مجرد خروجها من منزلها يحتم عليها الاختلاط بالجنس الآخر، والحديث إليه والالتصاق بعادات دخيلة عن تربيتها”. ومع أن العمل عبادة في الإسلام، فإنه تحول إلى شبه عار لدى البعض.. يلتصق بصاحبته و يحيطها شكوكاً واتهامات باطلة.

الأم مدرسة

أما نسيم وهو شاب مقبل على الزواج، يرفض فكرة عمل المرأة لأنه وعلى حد قوله ضحية لإهمال والدته بسبب انشغالها المتواصل عن الاعتناء بأبنائها،”نحن عانينا كثيراً لأن والدتي كانت منشغلةً طوال الوقت لتوفر لنا حياة كريمة، وأهملت منحنا الحنان الكافي، والتربية اللائقة وتركتنا نكبر بين الحضانة وبيوت العائلة الكبيرة، لذلك أرفض عمل زوجتي فقط لأمر واحد هو أن تتفرغ للاعتناء بأبنائنا في المستقبل، وتقدم لهم التربية والحنان والرعاية الكافية، أوَ ليست الأم مدرسة؟ لا أريد أن ينشأ أبنائي بنفس الطريقة التي نشأت وفقها وإخوتي”

الملكات يأمرن لا يُؤمرن

السيدة نعيمة، ربة بيت من العاصمة، في عقدها الخامس، هي إحدى النساء اللوات لازلن يتشبثن بمعتقدات الجدات رغم كل ما جلبته رياح التغيير على حياتهن، تقول:”زوجت بناتي الأربع بعد أن درستهن حتى تخرجن من الجامعة، ليستمتعن بحياتهن الزوجية ويتفرغن لمسؤولية الأمومة، فقد حباهن الله بأزواج مكتفين مادياً والحمد لله. ما دفعني لتشجيعهن على بناء أسر وترك العمل لأزواجهن، فالمرأة ملكة تأمر في مملكتها الصغيرة، لا تٌؤمر في مملكات الغير، -وناس بكري قالوا:”خدام الرجال سيدهم”- ولم يتحدثوا عن العاملات، فالكل يشيد بالمربية والطاهية الجيدة مهما تطور المجتمع لا بالمرأة الناجحة في عملها”.

يوافقها الرأي فاروق، هو الآخر مخضرم عايش الجيلين،”المرأة في القديم كانت معززةً مكرمة، هي الآمرة الناهية، مقابل ذلك كانت تقوم بأدوارها كاملةً، لا حاجة لها بالعمل خارج البيت لأنها كانت مكتفيةً قانعةً بالشيء القليل، فلما لا تقر بنات هذا الجيل بيوتهن، وتلتزمن بأدوارهن الأساسية”.

 يعملن لحاجة نفسية لا مادية

وهو ما يجزم به سمير صاحب مجمع تجاري بالبليدة:”تقصدني العشرات من بنات حواء أسبوعياً، بحثاً عن منصب شغل، معضمهن لا يصبين لإعالة عائلاتهن فهن يرضين بمبلغ زهيد يجنينه شهرياً مقابل ساعات طويلة من العمل رغبةً منهن في الهروب من روتين المنزل وللإحتكاك بأعداد الناس يومياً، لتعلق آسيا على الأمر بكل برودة:” لا أملك دبلوماً و لا أي مؤهلات تمكنني من اقتحام مجال معين للعمل، لذلك أقصد مثل هذه المحلات فقط لأقضي يومي بعيداً عن صخب زوجات إخوتي وأبنائهم، وهروباً من مشاكلهم الكثيرة التي أرهقتني، علماً أنني مكتفية مادياً والحمد لله، لكني أشعر بحاجة نفسية تدفعني للعمل، و للخروج يومياً حتى أيام العطل وإن استلزم الأمر الأعياد أيضاً، فأنا لا أجد أبداً حرجاً في ذلك”.

وبين هذا وذاك، يبقى العمل ضرورة تحتمها الحياة العصرية بمصاريفها الباذخة على بعض النساء، بين كونه ضرورةً نفسيةً أو ضرورةً مادية، إلا أنه في كلتا الحالتين مسؤولية عقائدية و اجتماعية تتحملها المرأة وتحاسب عليها، قبل أن يكون مسؤولية مهنية.

 الظاهرة مردها إلى التعصب الذي يطبع الرجل الجزائري

وفي هذا الصدد تقول”السيدة ليندة قاسي”أخصائية اجتماعية أن الظاهرة مردها إلى التعصب والعصبية التي تطبع الرجل الجزائري وقناعاته بأن المرأة إن خرجت للعمل فإنها تتجرد من دورها الاجتماعي كمربية وقائمة بأعمال البيت والاسرة، وخوفه من تخليها عن مسؤولياتها المفروضة، وهو ما يؤدي بالبعض لمنعها منعها من العمل مهما كان مستواها و إمكانياتها وتحصيلها العلمي، لذلك نجد الكثيرات ممن يدرسن لسنوات طويلة، متحصلات على شهادات عليا، و لكنهن يرضخن في الأخير إلى دورهن الاجتماعي، ليجدن أنفسهن في إدارة عائلات متخليات عن أحلامهن وكفاءاتهن. 

مقالات ذات صلة