جزائريون مسجونون في شققهم والحبل وسيلة عيشهم
..ليس كل الناس يخرجون من بيوتهم صباحا كل يوم، وليس كل أطفال المدارس يعودون لأخذ وجبة الإفطار حتى وإن كانت المدرسة تُرى من شرفة المنزل، شقق يعتبرها أصحابها سجنا في أعالي العمارة ذات الطابق 15 أو 18 وآخرون يضطرون كل صباح لرمي الحبل والقفة لقضاء مصروف شهر بكامله فالنزول ليس كالصعود، ما باليد حيلة .. إنهم المسجونون في أعالي العمارات.
-
كانت عقارب الساعة تُشير إلى الثالثة وخمس دقائق زوالا عندما وصلنا إلى عمارة “لاصيلة” بحي حسين داي، واحدة من بين أكبر العمارات التي تحمل في”جوفها” أكبر كثافة سكانية للدائرة.
-
-
وجدنا أحد الشباب ممسكا بهاتفه النقال فيما كان نظره باتجاه أعلى العمارة، كان واضحا أنه يستفسر عن شيئ، عندما أنهى المكالمة اقتربنا منه بعد أن قدمنا أنفسنا، سألناه في أي طابق يسكن رد قائلا: “أسكن بالطابق السابع، وكنت على اتصال هاتفي بزوجتي أسألها ماذا تحتاج قبل أن أدخل البيت .. لقد مللت من نسيان بعض الأشياء فوحدي من يدفع تكلفة الصعود والنزول إنه أمر لا يطاق”.
-
عمارة “لاصيلة “..وجحيم الوصول إلى الطابق 15
-
دقائق ليس أكثر تجمّع من حولنا بعض الشباب ممن كانوا يلعبون كرة القدم جانب العمارة، يقول أحدهم “أخيرا تذكرتمونا .. أنا الحمد لله أسكن في الطابق الرابع، غير أن جاري الياس يسكن في الطابق 11 إذا نزل لا يصعد إلا في ساعة متأخرة من الليل، أمه ترمي له بالخبز بواسطة القفة والحبل”.
-
يقاطعه آخر “..أكتبوا أننا راسلنا البلدية لتصليح المصعد فلم ترد علينا، أكتبوا أن أحد الجيران ممن يقطن في الطابق الخامس عشر قام بإصلاح المصعد بـ 70 ألف دينار، ولأننا رفضنا دفع التكاليف معه قام بوضع مفتاح مغاير ووحده من يصعد إلى بيته بالمصعد ..”.
-
حاولنا الاقتراب من بعض سكان العمارة للاستفسار عن هوية صاحب مفتاح المصعد الكهربائي، مع العلم أنه الوحيد من بين أربعة مصاعد التي تشتغل، فأخبرونا بأنه يقطن في الطابق 15، ونحن نصعد العمارة طابقا طابقا، انهارت قوانا في الطابق رقم 11، ليس من الغريب أن نجد عجوزا في عقدها الستين، تجلس أرضا وهي تحمل كيسا من اللبن، ردت علينا قائلة من غير طرح السؤال “أنتم صغار في السن ولم تستطيعوا صعود الدرج ما بالكم نحن ..”، وراحت تسرد علينا معاناة صعود الدرج، حدثتنا بأنه لولا المرض لما نزلت من شقة ابنها في الطابق 13 إلا وهي في طريقها نحو الرفيق الأعلى.
-
تركنا العجوز وهي تسترجع أنفاسها، وكما قالت لنا “إني أخشى لو يجدني أبنائي يوما جثة هامدة في هذا الدرج”.
-
وصلنا الطابق 15 وجدنا صاحب مفتاح المصعد الكهربائي غير موجود، طرقنا باب أحد الجيران فرد قائلا:”.. هذا هو حالنا منذ أن تعطل مصعد عمارة “الأصيلة” إذا نزلنا فلن نعود إلى بعد أن يُسدل الليل ستاره.. والويل إذا نسيت شيئا في المنزل”.
-
-
محلات داخل العمارات وتلاميذ المدارس لا يعودون لمنازلهم
-
وسكان حي الأفواج بساحة أول ماي حالهم ليس أقل ضررا من سكان عمارات حسين داي، فمنذ عام 1987 لا تزال العمارات الشاهقة ذات الطوابق 12 من غير مصاعد كهربائية بسبب عدم تمكن الجهات المحلية من دفع تكاليف تصليح المصاعد الكهربائية والتي قدرت بـ 10 مليار سنتيم، حيث اشترطت إحدى المؤسسات العمومية هذه التكلفة، وهو ما اعتبرته مصالح البلدية مبلغا خياليا لا يمكن توفيره.
-
يتحدث أحد سكان عمارات حي الأفواج قائلا: “لقد شبعنا من الوعود المعسولة .. لهذا ليس من الغرابة أن تجد بين طوابق العمارات من قام باستغلال الوضع في فتح شبه محلات، لبيع أهم المواد الغذائية ..”.
-
بل إن من السكان من قام بحمل دلاء رمي القمامة لوضعها بمنتصف العمارات حتى يتمكنوا من رمي القمامات، مادامت البلدية عجزت عن إصلاح المصاعد الكهربائية.
-
-
عمارات بـ 18 طابقا .. وشراء الحاجيات بالحبل والقفة
-
لم نكن نعلم في بداية إنجاز هذا الروبورتاج أن في الجزائر عمارات بـ 18 طابقا بدون مصاعد كهربائية، هو حال إحدى عمارات المدنية بأعالي العاصمة، تتكون من 18 طابقا، مصعدها الكهربائي معطل، مع العلم أن كل طابق يضم أربع شقق تصوروا كيف تكون الحياة؟
-
يشترك قاطنو العمارات الطويلة سواء في حسين داي، الأبيار، ڤاريدي، ساحة أول ماي، باب الواد، بن عكنون .. وحتى سكان العمارات الجديدة التي تم بناءها من قبل وكالة عدل في شراء حاجياتهم بواسطة القفة والحبل.
-
تتحدث إحدى قاطنات العمارات قائلة :”نضطر كل صباح لرمي القفة، وهي مُعلقة بالحبل لشراء ما يلزمنا، يضطر زوجي لشراء الحليب والخبز، وبعض الخضار ومن ثم الذهاب إلى عمله، أولادي بالرغم من أن المدرسة ترى من شرفة المنزل، إلى أننا قمنا بتسجليهم بمطعم المدرسة”.
-
فيما تتحدث إحدى الناس قائلة:”أنا لا أنزل إلا للطبيب، وأهلي لا يزوروني، إننا مسجونون طوال العام، تصوري ابني عمره 9 أشهر، لم أخرج معه إلا عندما حان وقت تلقيحه ..”.
-
سكان أحياء عمارات “سوناتيبا” ببلدية جسر قسنطينة هم الآخرون يشتكون من تعطل المصاعد الكهربائية في عماراتهم ذات الـ 10طوابق، منذ نحو 10 سنوات، يتحدث أحدهم قائلا: “أصبح الأمر بالنسبة لنا عادي جدا لقد تأقلمنا”.
-
حي “شاطوناف” الواقع ببلدية الأبيار، سكانه أيضا عبّروا عن استيائهم من الوضعية التي تشهدها عماراتهم التي تضم 12 طابقا منذ سنوات طويلة..
-
وفي الجزائر كما في وهران، قسنطينة، عنابة سطيف عمارات بلا مصاعد كهربائية ولكم أن تقيسوا حجم الجحيم في العيش بأعالي ..
-
-
السلطات المحلية.. تصليح مصاعد عمرها ربع قرن ليس من مسؤوليتنا
-
تتحجج المجالس الشعبية البلدية بعدم مسؤوليتها في تصليح المصاعد الكهربائية المعطلة التي تشهدها عمارات الجزائر العاصمة، حيث يكشف عضو مجلس بلدي بالمدنية، أن البلدية غير مسؤولة عن تصليح مصاعد العمارات لأن شققها تم شراؤها من طرف المواطنين وأصبحت ضمن ملكيتهم.
-
كما تتحجج الجهات المحلية على مستوى بلدية حسين داي، بتصليح المصاعد لعدد من المرات وتعطلها من جديد بسبب عدم التزام قاطنيها على دفع تكاليف صيانتها.
-
فيما كشف مسؤولو بلدية بن عكنون، أن سكان عمارات حي مالكي، قاموا بالاشتراك رفقة جمعيات الأحياء، لتصليح المصاعد وساعدتهم البلدية في ذلك، وهي تعمل حاليا.
-
أما بلدية سيدي امحمد وبخصوص عمارات حي الأفواج، فإن قدم واهتراء المصاعد الكهربائية يحول دون تصليحها بسبب تكاليفها الباهضة التي تصل إلى حدود 10 ملايير سنتيم.